تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
في سورة البقرة [ 11 ] ، وبيّنّا هنالك أصول الفساد وحقائق الإصلاح ، ومر هنالك القول في حذف مفعول
تُفْسِدُوا
ممّا هو نظير ما هنا . و
الْأَرْضِ
هنا هي الجسم الكروي المعبّر عنه بالدّنيا . والإفساد في كلّ جزء من الأرض هو إفساد لمجموع الأرض ، وقد يكون بعض الإفساد مؤدّيا إلى صلاح أعظم ممّا جرّه الإفساد من المضرّة ، فيترجّح الإفساد إذا لم يمكن تحصيل صلاح ضروري إلّا به ، فقد قطع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نخل بني النضير ، ونهى أبو بكر رضي اللّه عنه عن قطع شجر العدوّ ، لاختلاف الأحوال . والبعدية في قوله :
بَعْدَ إِصْلاحِها
بعدية حقيقية ، لأنّ الأرض خلقت من أوّل أمرها على صلاح قال اللّه تعالى :
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ فصلت : 10 ] على نظام صالح بما تحتوي عليه ، وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها اللّه على الأرض ، وخلق له ما في الأرض ، وعزّز ذلك النّظام بقوانين وضعها اللّه على ألسنة المرسلين والصّالحين والحكماء من عباده ، الذين أيّدهم بالوحي والخطاب الإلهي ، أو بالإلهام والتّوفيق والحكمة ، فعلموا النّاس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع بنفع النّافع وإزالة ما في بعض النّافع من الضرّ وتجنّب ضرّ الضار ، فذلك النّظام الأصلي ، والقانون المعزّز له ، كلاهما إصلاح في الأرض ، لأنّ الأوّل إيجاد الشّيء صالحا ، والثّاني جعل الضّار صالحا بالتّهذيب أو بالإزالة ، وقد مضى في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
في سورة البقرة [ 11 ] ، أنّ الإصلاح موضوع للقدر المشترك بين إيجاد الشّيء صالحا وبين جعل الفاسد صالحا . فالإصلاح هنا مصدر في معنى الاسم الجامد ، وليس في معنى الفعل ، لأنّه أريد به إصلاح حاصل ثابت في الأرض لا إصلاح هو بصدد الحصول ، فإذا غيّر ذلك النّظام فأفسد الصّالح ، واستعمل الضّار على ضرّه ، أو استبقى مع إمكان إزالته ، كان إفسادا بعد إصلاح ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
[ الأنفال : 73 ] . والتّصريح بالبعدية هنا تسجيل لفظاعة الإفساد بأنّه إفساد لما هو حسن ونافع ، فلا معذرة لفاعله ولا مساغ لفعله عند أهل الأرض .