صفات الكمال ، ومن ذلك أنّ له الخلق والأمر .
واتباع اسم الجلالة بالوصف وهو
رَبُّ الْعالَمِينَ
في معنى البيان لاستحقاقه البركة والمجد ، لأنّه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد ، ومدبّر أحوال الموجودات ، بوصف كونه ربّ أنواع المخلوقات ، ومضى الكلام على
الْعالَمِينَ
في سورة الفاتحة [ 2 ] .
[ 55 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 55 ]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 )
استئناف جاء معترضا بين ذكر دلائل وحدانية اللّه تعالى بذكر عظيم قدرته على تكوين أشياء لا يشاركه غيره في تكوينها . فالجملة معترضة بين جملة
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] وجملة :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ
[ الأعراف : 57 ] جرى هذا الاعتراض على عادة القرآن في انتهاز فرص تهنّؤ القلوب للذّكرى . والخطاب ب
ادْعُوا
خاص بالمسلمين لأنّه تعليم لأدب دعاء اللّه تعالى وعبادته ، وليس المشركون بمتهيّئين لمثل هذا الخطاب ، وهو تقريب للمؤمنين وإدناء لهم وتنبيه على رضى اللّه عنهم ومحبّته ، وشاهده قوله بعده :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] . والخطاب موجّه إلى المسلمين بقرينة السياق .
و ( الدّعاء ) حقيقته النّداء ، ويطلق أيضا على النّداء لطلب مهمّ ، واستعمل مجازا في العبادة لاشتمالها على الدّعاء والطّلب بالقول أو بلسان الحال ، كما في الرّكوع والسّجود ، مع مقارنتها للأقوال وهو إطلاق كثير في القرآن .
والظاهر أنّ المراد منه هنا الطّلب والتّوجه ، لأنّ المسلمين قد عبدوا اللّه وأفردوه بالعبادة ، وإنّما المهمّ إشعارهم بالقرب من رحمة ربّهم وإدناء مقامهم منها .
وجيء لتعريف الرّب بطريق الإضافة دون ضمير الغائب ، مع وجود معاد قريب في قوله :
تَبارَكَ اللَّهُ
[ الأعراف : 54 ] ودون ضمير المتكلّم ، لأنّ في لفظ الرّب إشعارا بتقريب المؤمنين بصلة المربوبية ، وليتوسّل بإضافة الرّب إلى ضمير المخاطبين إلى تشريف المؤمنين وعناية الرّب بهم كقوله :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
[ آل عمران : 150 ] .
والتّضرّع : إظهار التّذلل بهيئة خاصة ، ويطلق التّضرع على الجهر بالدّعاء لأنّ الجهر من هيئة التّضرع ، لأنّه تذلّل جهري ، وقد فسّر في هذه الآية وفي قوله في الأنعام [ 63 ] :
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
بالجهر بالدّعاء ، وهو الذي نختاره لأنّه أنسب بمقابلته بالخفية ،