تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فيكون أسلوبه وفقا لأسلوب نظيره في قوله
ادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ الأعراف : 56 ] وتكون ، الواو للتقسيم بمنزلة ( أو ) وقد قالوا : إنّها فيه أجود من ( أو ) . ومن المفسّرين من أبقى التّضرع على حقيقته وهو التّذلل ، فيكون مصدرا بمعنى الحال ، أي متذلّلين ، أو مفعولا مطلقا ل
ادْعُوا
، لأنّ التّذلّل بعض أحوال الدّعاء فكأنّه نوع منه ، وجعلوا قوله :
وَخُفْيَةً
مأمورا به مقصودا بذاته ، أي ادعوه مخفين دعاءكم ، حتّى أوهم كلام بعضهم أنّ الإعلان بالدّعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه ، وهذا خطأ : فإنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم دعا علنا غير مرّة . وعلى المنبر بمسمع من النّاس وقال : « اللّهمّ اسقنا » وقال : « اللّهمّ حوالينا ولا علينا » وقال : « اللّهمّ عليك بقريش » الحديث . وما رويت أدعيته إلّا لأنّه جهر بها يسمعها من رواها ، فالصّواب أنّ قوله :
تَضَرُّعاً
إذن بالدّعاء بالجهر والإخفاء ، وأمّا ما ورد من النّهي عن الجهر فإنّما هو عن الجهر الشّديد الخارج عن حدّ الخشوع . وقرأ الجمهور
وَخُفْيَةً
- بضمّ الخاء - وقرأه أبو بكر - بكسر الخاء - وتقدّم في الأنعام . وجملة
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
واقعة موقع التّعليل للأمر بالدّعاء ، إشارة إلى أنّه أمر تكريم للمسلمين يتضمّن رضى اللّه عنهم ، ولكن سلك في التّعليل طريق إثبات الشّيء بإبطال ضدّه ، تنبيها على قصد الأمرين وإيجازا في الكلام . ولكون الجملة واقعة موقع التّعليل افتتحت ب ( إنّ ) المفيدة لمجرّد الاهتمام ، بقرينة خلو المخاطبين عن التّردد في هذا الخبر ، ومن شأن ( إنّ ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التّعليل والرّبط ، وتقوم مقام الفاء ، كما نبّه عليه الشّيخ عبد القاهر . وإطلاق المحبّة وصفا للّه تعالى ، في هذه الآية ونحوها ، إطلاق مجازي مراد بها لازم معنى المحبّة ، بناء على أنّ حقيقة المحبّة انفعال نفساني ، وعندي فيه احتمال ، فقالوا : أريد لازم المحبّة ، أي في المحبوب والمحب ، فيلزمها اتّصاف المحبوب بما يرضي المحب لتنشأ المحبّة التي أصلها الاستحسان ، ويلزمها رضى المحب عن محبوبه وإيصال النّفع له . وهذان اللّازمان متلازمان في أنفسهما . فإطلاق المحبّة وصفا للّه مجاز بهذا اللّازم المركب . والمراد ب
الْمُعْتَدِينَ
: المشركون ، لأنّ يرادف الظّالمين . والمعنى : ادعوا ربّكم لأنّه يحبّكم ولا يحبّ المعتدين ، كقوله :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] تعريض
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 132 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور