بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنّه لا يستجيب دعاء الكافرين ، قال تعالى :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
[ الرعد : 14 ] على أحد تأويلين فيها . وحمل بعض المفسّرين التّضرّع على الخضوع ، فجعلوا الآية مقصورة على طلب الدّعاء الخفي حتّى بالغ بعضهم فجعل الجهر بالدّعاء منهيا عنه ، وتجاوز بعضهم فجعل قوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
تأكيدا لمعنى الأمر بإخفاء الدّعاء ، وجعل الجهر بالدّعاء من الاعتداء والجاهرين به من المعتدين الذين لا يحبّهم اللّه . ونقل ذلك عن ابن جريج ، وأحسب أنّه نقل عنه غير مضبوط العبارة ، كيف وقد دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جهرا ودعا أصحابه .
[ 56 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 56 ]
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 )
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
.
عطف النّهي عن الفساد في الأرض على جملة
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ الأعراف : 55 ] عطفا على طريقة الاعتراض ، فإنّ الكلام لمّا أنبأ عن عناية اللّه بالمسلمين وتقريبه إياهم إذ أمرهم بأن يدعوه وشرّفهم بذلك العنوان العظيم في قوله :
رَبَّكُمْ
[ الأعراف : 55 ] ، وعرّض لهم بمحبّته إياهم دون أعدائهم المعتدين ، أعقبه بما يحول بينهم وبين الإدلال على اللّه بالاسترسال فيما تمليه عليهم شهواتهم من ثوران القوتين الشّهوية والغضبيّة ، فإنّهما تجنيان فسادا في الغالب ، فذكّرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزّها عن أن يخالطه فساد ، فإنّهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد ، فأشبه موقع الاحتراس ، وكذلك دأب القرآن أن يعقّب التّرغيب بالتّرهيب ، وبالعكس ، لئلّا يقع النّاس في اليأس أو الأمن .
والاهتمام بدرء الفساد كان مقاما هنا مقتضيا التّعجيل بهذا النّهي معترضا بين جملتي الأمر بالدّعاء .
وفي إيقاع هذا النّهي عقب قوله
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ الأعراف : 55 ] تعريض بأنّ المعتدين وهم المشركون مفسدون في الأرض ، وإرباء للمسلمين عن مشابهتهم ، أي لا يليق بكم وأنتم المقرّبون من ربّكم ، المأذون لكم بدعائه ، أن تكونوا مثل المبعدين منه المبغضين .
والإفساد في الأرض والإصلاح تقدّم الكلام عليهما عند قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ