تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 57 ]

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) جملة :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ
عطف على جملة :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] وقد حصلت المناسبة بين آخر الجمل المعترضة وبين الجملة المعترض بينها وبين ما عطفت عليه بأنّه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين ذكر بعضا من رحمته العامة وهو المطر . فذكر إرسال الرّياح هو المقصود الأهم لأنّه دليل على عظم القدرة والتّدبير ، ولذلك جعلناه معطوفا على جملة :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] أو على جملة :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] . وذكر بعض الأحوال المقارنة لإرسال الرّياح يحصل منه إدماج الامتنان في الاستدلال وذلك لا يقتضي أنّ الرّياح لا ترسل إلّا للتبشير بالمطر ، ولا أنّ المطر لا ينزل إلّا عقب إرسال الرّياح ، إذ ليس المقصود تعليم حوادث الجو ، وإذ ليس في الكلام ما يقتضي انحصار الملازمة وفيه تعريض ببشارة المؤمنين بإغداق الغيث عليهم ونذارة المشركين بالقحط والجوع كقوله
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
[ الجن : 16 ] - وقوله -
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
[ الدخان : 10 ] . وأطلق الإرسال على الانتقال على وجه الاستعارة ، فإرسال الرّياح هبوبها من المكان الذي تهب فيه ووصولها ، وحسّن هذه الاستعارة أنّ الرّيح مسخّرة إلى المكان الذي يريد اللّه هبوبها فيه فشبهت بالعاقل المرسل إلى جهة ما ، ومن بدائع هذه الاستعارة أنّ الرّيح لا تفارق كرة الهواء كما تقدّم عند قوله تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
الآية في سورة البقرة [ 164 ] . فتصريف الرّياح من جهة إلى جهة أشبه بالإرسال منه بالإيجاد . والرّياح : جمع ريح ، وقد تقدّم في سورة البقرة . وقرأ الجمهور :
الرِّياحَ
- بصيغة الجمع - وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف : الرّيح - بصيغة المفرد باعتبار الجنس ، فهو مساو لقراءة الجمع ، قال ابن عطيّة : من قرأ بصيغة الجمع فقراءته أسعد ، لأنّ الرّياح حيثما وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرّحمة ، كقوله :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[ الحجر : 22 ] وأكثر ذكر الرّيح المفردة أن تكون مقترنة بالعذاب كقوله
رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
[ الأحقاف : 24 ] ونحو ذلك . ومن قرأ بالإفراد فتقييدها بالنّشر يزيل الاشتراك أي الإيهام . والتّحقيق أنّ التّعبير بصيغة الجمع قد يراد به تعدّد المهابّ أو حصول الفترات في الهبوب ، وأنّ الإفراد قد يراد به أنّها مدفوعة دفعة