فمعنى :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
أنّ اللّه يجعل أحدهما غاشيا الآخر .
والغشي مستعار للإخفاء ، لأنّ النّهار يزيل أثر اللّيل واللّيل يزيل أثر النّهار ، ومن بديع الإيجاز ورشاقة التّركيب : جعل الليل والنّهار مفعولين لفعل فاعل الإغشاء ، فهما مفعولان كلاهما صالح لأن يكون فاعل الغشي ، ولهذا استغنى بقوله :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
عن ذكر عكسه ولم يقل : والنّهار اللّيل ، كما في آية
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ
[ الزمر : 5 ] لكن الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكون الأوّل هو الفاعل في المعنى ، ويجوز العكس إذا أمن اللّبس ، وبالأحرى إذا استوى الاحتمالان .
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص
يُغْشِي
- بضمّ الياء وسكون الغين وتخفيف الشّين - . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية أبي بكر ، ويعقوب ، وخلف بضمّ الياء وفتح الغين وتشديد الشّين - وهما بمعنى واحد في التّعدية .
وجملة :
يَطْلُبُهُ
إن جعلت استينافا أو بدل اشتمال من جملة ( يغشي ) فأمرها واضح ، واحتمل الضّمير المنصوب في ( يطلبه ) أن يعود إلى اللّيل وإلى النّهار ، وإن جعلت حالا تعين أن تعتبر حالا من أحد المفعولين على السّواء فإنّ كلا اللّيل والنّهار يعتبر طالبا ومطلوبا ، تبعا لاعتبار أحدهما مفعولا أوّل أو ثانيا .
وشبّه ظهور ظلام اللّيل في الأفق ممتدا من المشرق إلى المغرب عند الغروب واختفاء نور النّهار في الأفق ساقطا من المشرق إلى المغرب حتّى يعمّ الظّلام الأفق بطلب اللّيل النّهار ، على طريقة التّمثيل ، وكذلك يفهم تشبيه امتداد ضوء الفجر في الأفق من المشرق إلى المغرب واختفاء ظلام اللّيل في الأفق ساقطا في المغرب حتّى يعمّ الضياء الأفق : بطلب النّهار اللّيل على وجه التّمثيل ، ولا مانع من اعتبار التّنازع للمفعولين في جملة الحال كما في قوله تعالى :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ
[ مريم : 27 ] وقوله :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
.
والحثيث : المسرع ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، من حثه إذا أعجله وكرّر إعجاله ليبادر بالعجلة ، وقريب من هذا قول سلامة من جندل يذكر انتهاء شبابه وابتداء عصر شيبه :
أودى الشّباب الذي مجد عواقبه * فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب
ولّى حثيثا وهذا الشّيب يتبعه * لو كان يدركه ركض اليعاقيب