تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ]

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) عطف على جملة
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
[ الأنعام : 33 ] أو على جملة
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] . ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء ، أي فلا تحزن ، أو إن أحزنك ذلك فإنّهم لا يكذّبونك والحال قد كذّبت رسل من قبلك . والكلام على كلّ تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأنّ إساءة أهل الشرك لمحمد - عليه الصلاة والسلام - هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله ؛ فإنّهم كذّبوا بالقول والاعتقاد وأمّا قومه فكذّبوا بالقول فقط . وفي الكلام أيضا تأسّ للرسول بمن قبله من الرسل . ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منزلة من ذهل طويلا عن تكذيب الرسل لأنّه لمّا أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعد علمه بذلك . و
مِنْ قَبْلِكَ
وصف كاشف ل
رُسُلٌ
جيء به لتقرير معنى التأسّي بأنّ ذلك سنّة الرسل . وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم ، فإنّ الأمم كذّبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها ، والعرب كذّبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف . و ( ما ) مصدرية ، أي صبروا على التكذيب ، فيجوز أن يكون قوله
وَأُوذُوا
عطفا على
كُذِّبُوا
وتكون جملة
فَصَبَرُوا
معترضة . والتقدير : ولقد كذّبت وأوذيت رسل فصبروا . فلا يعتبر الوقف عند قوله
عَلى ما كُذِّبُوا
بل يوصل الكلام إلى قوله
نَصْرُنا
، وأن يكون عطفا على
كُذِّبَتْ رُسُلٌ
، أي كذّبت وأوذوا . ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأنّ التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله :
عَلى ما كُذِّبُوا
. وقرن فعل
كُذِّبَتْ
بعلامة التأنيث لأنّ فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجّح اتّصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة . ومن ثمّ جاء فعلا
فَصَبَرُوا
و
كُذِّبُوا
مقترنين بواو الجمع ، لأنّ فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير . وعطف
وَأُوذُوا
على
كُذِّبَتْ
عطف الأعمّ على الأخصّ ، والأذى أعمّ من التكذيب ، لأنّ الأذى هو ما يسوء ولو إساءة ما ، قال تعالى :
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
[ آل عمران : 111 ] ويطلق على الشديد منه . فالأذى اسم اشتقّ منه آذى إذا جعل له أذى وألحقه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 75 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور