تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وبيت زهير :
أخا ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله
وإفادة استحضار الصورة ، كقول كعب :
لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظلّ يرعد إلّا أن يكون له * من الرسول بإذن اللّه تنويل
أراد تحقيق حضوره لدى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع استحضار تلك الحالة العجيبة من الوجل المشوب بالرجاء . والتحقيق أنّ كلام سيبويه بريء ممّا حمّلوه ، وما نشأ اضطراب كلام النحاة فيه إلّا من فهم ابن مالك لكلام سيبويه . وقد ردّه عليه أبو حيّان ردّا وجيها . فمعنى الآية علمنا بأنّ الذي يقولونه يحزنك محقّقا فتصبّر . وقد تقدّم لي كلام في هذه المسألة عند قوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
في سورة البقرة [ 144 ] ، فكان فيه إجمال وأحلت على تفسير آية سورة الأنعام ، فهذا الذي استقرّ عليه رأيي . وفعل
نَعْلَمُ
معلّق عن العمل في مفعولين بوجود اللام . والمراد ب
الَّذِي يَقُولُونَ
أقوالهم الدّالة على عدم تصديقهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما دلّ عليه قوله بعده
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ
[ الأنعام : 34 ] ، فعدل عن ذكر اسم التكذيب ونحوه إلى اسم الموصول وصلته تنزيها للرسول - عليه الصلاة والسلام - عن ذكر هذا اللفظ الشنيع في جانبه تلطّفا معه . وقرأ نافع ، وأبو جعفر
لَيَحْزُنُكَ
- بضم الياء وكسر الزاي - . وقرأه الباقون - بفتح الياء وضمّ الزاي - يقال : أحزنت الرجل - بهمزة تعدية لفعل حزن ، ويقال : حزنته أيضا . وعن الخليل : أنّ حزنته ، معناه جعلت فيه حزنا كما يقال : دهنته . وأمّا التعدية فليست إلّا بالهمزة . قال أبو علي الفارسي : حزنت الرجل ، أكثر استعمالا ، وأحزنته ، أقيس . و
الَّذِي يَقُولُونَ
هو قولهم ساحر ، مجنون ، كاذب ، شاعر . فعدل عن تفصيل قولهم إلى إجماله إيجازا أو تحاشيا عن التصريح به في جانب المنزّه عنه . والضمير المجعول اسم ( إنّ ) ضمير الشأن ، واللام لام القسم ، وفعل
لَيَحْزُنُكَ