تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
به . فالهمزة به للجعل أو للتصيير . ومصادر هذا الفعل أذى وأذاة وأذيّة . وكلّها أسماء مصادر وليست مصادر . وقياس مصدره الإيذاء لكنّه لم يسمع في كلام العرب . فلذلك قال صاحب « القاموس » : لا يقال : إيذاء . وقال الراغب : يقال : إيذاء . ولعلّ الخلاف مبني على الخلاف في أنّ القياسي يصحّ إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقّف إطلاقه على سماع نوعه من مادّته . ومن أنكر على صاحب « القاموس » فقد ظلمه . وأيّا ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته . ولقد يعدّ على صاحب « الكشاف » استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة . و
حَتَّى
ابتدائية أفادت غاية ما قبلها ، وهو التكذيب والأذى والصبر عليهما ، فإنّ النصر كان بإهلاك المكذّبين المؤذين ، فكان غاية للتكذيب والأذى ، وكان غاية للصبر الخاصّ ، وهو الصبر على التكذيب والأذى ، وبقي صبر الرسل على أشياء ممّا أمر بالصبر عليه . والإتيان في قوله :
أَتاهُمْ نَصْرُنا
مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره ، فشبّه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر . وتقدّم بيان هذا عند قوله تعالى :
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
في هذه السورة [ 4 ] . وجملة
وَلا مُبَدِّلَ
عطف على جملة :
أَتاهُمْ نَصْرُنا
. وكلمات اللّه وحيه للرسل الدّالّ على وعده إيّاهم بالنصر ، كما دلّت عليه إضافة النصر إلى ضمير الجلالة . فالمراد كلمات من نوع خاصّ ، فلا يرد أنّ بعض كلمات اللّه في التشريع قد تبدّل بالنسخ ؛ على أنّ التبديل المنفي مجاز في النقض ، كما تقدّم في قوله تعالى :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ
في سورة البقرة [ 181 ] . وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
في هذه السورة [ 115 ] . وهذا تطمين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ اللّه ينصره كما نصر من قبله من الرسل ، ويجوز أن تكون كلمات اللّه ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم ، أي أنّ إهلاك المكذّبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم . ونفي المبدّل كناية عن نفي التبديل ، أي لا تبديل ، لأنّ التبديل لا يكون إلّا من مبدّل . ومعناه : أنّ غير اللّه عاجز عن أن يبدّل مراد اللّه ، وأن اللّه أراد أن لا يبدّل كلماته