وعدّي
يَجْحَدُونَ
بالباء كما عدّي في قوله :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النحل : 14 ] لتأكيد تعلّق الجحد بالمجحود ، كالباء في قوله تعالى :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
[ المائدة : 6 ] ، وفي قوله :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
[ الإسراء :
59 ] ، وقول النابغة :
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا * وأصبح جدّ الناس يظلع عاثرا
ثم إنّ الجحد بآيات اللّه أريد به الجحد بما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات .
وجحدها إنكار أنّها من آيات اللّه ، أي تكذيب الآتي بها في قوله : إنّها من عند اللّه ، فآل ذلك إلى أنّهم يكذّبون الرسول - عليه الصلاة والسلام - فكيف يجمع هذا مع قوله
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
على قراءة الجمهور . والذي يستخلص من سياق الآية أنّ المراد فإنّهم لا يعتقدون أنّك كاذب لأنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - معروف عندهم بالصدق وكان يلقّب بينهم بالأمين . وقد قال النضر بن الحارث لمّا تشاورت قريش في شأن الرسول : « يا معشر قريش قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا حتّى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون وو اللّه ما هو بأولئكم » . ولأنّ الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنّها من عند اللّه ، ولأنّ دلائل صدقه بيّنة واضحة ولكنّكم ظالمون .
والظالم هو الذي يجري على خلاف الحقّ بدون شبهة . فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنّه الحق ، وذلك هو الجحود . وقد أخبر اللّه عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم .
ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] فيكون في الآية احتباك . والتقدير : فإنّهم لا يكذّبونك ولا يكذّبون الآيات ولكنّهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك ، فحذف من كلّ لدلالة الآخر .
وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أنّ أبا جهل قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به . فأنزل اللّه
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
. ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية . لأنّ أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء ، كما قال ابن العربي في « العارضة » : ذلك أنّه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة ، فقوله : لا نكذّبك ، استهزاء بإطماع التصديق .
[ 34 ]