تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
في هذا الشأن . وقوله :
وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
عطف على جملة :
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
، وهو كلام جامع لتفاصيل ما حلّ بالمكذّبين ، وبكيف كان نصر اللّه رسله . وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك . والقول في
جاءَكَ
كالقول في
أَتاهُمْ نَصْرُنا
، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به . و ( من ) في قوله :
مِنْ نَبَإِ
إمّا اسم بمعنى ( بعض ) فتكون فاعلا مضافة إلى النبأ ، وهو ناظر إلى قوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
[ غافر : 78 ] . والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره : لقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين . والنبأ الخبر عن أمر عظيم ، قال تعالى :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
[ النبأ : 1 ، 2 ] ، وقال :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
[ ص : 67 ، 68 ] ، وقال في هذه السورة [ 67 ]
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
. [ 35 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 35 ]

وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) عطف على جملة :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
[ الأنعام : 33 ] ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به وبالقرآن حزنا على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها ، وحزنا من جرّاء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم ، وقد سلّاه اللّه تعالى عن الحزن الأول بقوله
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
[ الأنعام : 33 ] وسلّاه عن الثاني بقوله :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
الآية . و
كَبُرَ
ككرم ، كبرا كعنب : عظمت جثّته . ومعنى
كَبُرَ
هنا شقّ عليك . وأصله عظم الجثّة ، ثم استعمل مجازا في الأمور العظيمة الثقيلة لأنّ عظم الجثّة يستلزم الثقل ، ثم استعمل مجازا في معنى ( شقّ ) لأنّ الثقيل يشق حمله . فهو مجاز مرسل بلزومين . وجيء في هذا الشرط بحرف ( إن ) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظنّ حصوله للإشارة إلى أنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - ليس بمظنّة ذلك ولكنّه على سبيل الفرض .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 77 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور