تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 20 ] . والضمير المجرور بمن التبعيضية عائد إلى المشركين الذين الحديث معهم وعنهم ابتداء من قوله :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[ الأنعام : 1 ] ، أي ومن المشركين من يستمع إليك . وقد انتقل الكلام إلى أحوال خاصّة عقلائهم الذين يربئون بأنفسهم عن أن يقابلوا دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل ما يقابله به سفهاؤهم من الإعراض التامّ ، وقولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] . ولكن هؤلاء العقلاء يتظاهرون بالحلم والأناة والإنصاف ويخيّلون للدهماء أنّهم قادرون على مجادلة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان . روى الواحدي عن ابن عبّاس أنّه سمّى من هؤلاء أبا سفيان بن حرب ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبا جهل ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية وأبيّا ابني خلف ، اجتمعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستمعون القرآن فلمّا سمعوه قالوا للنضر : ما يقول محمد فقال : والذي جعلها بيته ( يعني الكعبة ) ما أدري ما يقول إلّا أنّي أرى تحرّك شفتيه فما يقول إلّا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية . يعني أنّه قال ذلك مكابرة منه للحقّ وحسدا للرسول - عليه الصلاة والسلام - . وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى . وكان يحدّث قريشا عن أقاصيص العجم ، مثل قصة ( رستم ) و ( إسفنديار ) فيستملحون حديثه ، وكان صاحب أسفار إلى بلاد الفرس ، وكان النضر شديد البغضاء للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الذي أهدر الرسول - عليه الصلاة والسلام - دمه فقتل يوم فتح مكّة . وروي أنّ أبا سفيان قال لهم : إنّي لأراه حقّا . فقال له أبو جهل : كلّا . فوصف اللّه حالهم بهذه الآية . وقد نفع اللّه أبا سفيان بن حرب بكلمته هذه ، فأسلم هو دونهم ليلة فتح مكّة وثبتت له فضيلة الصحبة وصهر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولزوجه هند بنت عتبة بن ربيعة . والأكنة جمع كنان - بكسر الكاف - و ( أفعلة ) يتعيّن في ( فعال ) المكسور الفاء إذا كان عينه ولامه مثلين . والكنان : الغطاء ، لأنّه يكنّ الشيء ، أي يستره . وهي هنا تخييل لأنّه شبّهت قلوبهم في عدم خلوص الحقّ إليها بأشياء محجوبة عن شيء . وأثبتت لها الأكنّة تخييلا ، وليس في قلب أحدهم شيء يشبه الكنان . وأسند جعل تلك الحالة في قلوبهم إلى اللّه تعالى لأنّه خلقهم على هذه الخصلة الذميمة والتعقّل المنحرف ، فهم لهم عقول وإدراك لأنّهم كسائر البشر ، ولكن أهواءهم تخيّر لهم المنع من اتّباع الحقّ ، فلذلك كانوا مخاطبين بالإيمان مع أنّ اللّه يعلم أنّهم لا