تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
ووصفوا ب
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
تكذيبا لهم ؛ وحذف المفعول الثاني ل
تَزْعُمُونَ
ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة ؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب . والزعم : ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه ، فيقال : زعم ، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل ، وتقدّم عند قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
الآية في سورة النساء [ 60 ] . وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا
في سورة التغابن [ 7 ] . وقوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
عطف على جملة
ثُمَّ نَقُولُ
و ( ثم ) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه . والفتنة أصلها الاختبار ، من قولهم : فتن الذهب إذا اختبر خلوصه من الغلث . وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله ، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله ، فقد يكون ذلك في حالة العيش ؛ وقد يكون في البغض والحبّ ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور . وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
في سورة البقرة [ 102 ] . و
فِتْنَتُهُمْ
هنا استثني منها
أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء ، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة . فالتقدير : لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلّا قولهم
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
. وإمّا أن يكون القول المستثنى دالا على فتنتهم ، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه . وأيّا ما كان فقولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
متضمّن أنّهم مفتونون حينئذ . وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر ، ويكون في الكلام إيجاز . والتقدير : فافتتنوا في ما ذا يجيبون ، فكان جوابهم أن قالوا :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها . ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه ، أي تجريب حالة نفسه .