فإنّ العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع .
فيتعذّر أن يرى القوم كلّ أفراد ما يصحّ أن يكون آية ، فلذلك كان المراد ب
كُلَّ
معنى الكثرة الكثيرة ، كما تقدّم في قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ
في سورة البقرة [ 145 ] .
و
حَتَّى
حرف موضوع لإفادة الغاية ، أي أنّ ما بعدها غاية لما قبلها . وأصل
حَتَّى
أن يكون حرف جرّ مثل ( إلى ) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما قبل ( حتّى ) .
وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد ( حتّى ) جملة فتكون ( حتّى ) ابتدائية ، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل ( حتى ) . ولذلك قال ابن الحاجب في « الكافية » : إنّها تفيد السببية ، فليس المعنى أنّ استماعهم يمتدّ إلى وقت تجيئهم ولا أنّ جعل الأكنّة على قلوبهم والوقر في آذانهم يمتدّ إلى وقت مجيئهم ، بل المعنى أن يتسبّب على استماعهم بدون فهم . وجعل الوقر على آذانهم والأكنّة على قلوبهم أنّهم إذا جاءوك جادلوك .
وسمّيت
حَتَّى
ابتدائية لأنّ ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافا ابتدائيا .
ويأتي قريب من هذا عند قوله :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
في هذه السورة [ 31 ] ، وزيادة تحقيق لمعنى ( حتّى ) الابتدائية عند قوله تعالى :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
- إلى قوله -
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
إلخ في سورة الأعراف [ 37 ] .
و
إِذا
شرطية ظرفية . و
جاؤُكَ
شرطها ، وهو العامل فيها . وجملة
يُجادِلُونَكَ
حال مقدّرة من ضمير
جاؤُكَ
أي جاءوك مجادلين ، أي مقدّرين المجادلة معك يظهرون لقومهم أنّهم أكفّاء لهذه المجادلة .
وجملة
يَقُولُ
جواب
إِذا
، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله :
يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
لزيادة التسجيل عليهم بالكفر ، وأنّهم ما جاءوا طالبين الحقّ كما يدّعون ولكنّهم قد دخلوا بالكفر وخرجوا به فيقولون
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
، فهم قد عدلوا عن الجدل إلى المباهتة والمكابرة .
والأساطير جمع أسطورة - بضم الهمزة وسكون السين - وهي القصّة والخبر عن الماضين . والأظهر أنّ الأسطورة لفظ معرّب عن الرومية : أصله إسطوريا - بكسر الهمزة - وهو القصّة . ويدلّ لذلك اختلاف العرب فيه ، فقالوا : أسطورة وأسطيرة وأسطور وأسطير ،