تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار . والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم ، أو من الصدق وضدّه ، ويتعيّن حينئذ تقدير مضاف ، أي لم يكن جواب فتنتهم ، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلّا أن قالوا :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
. وقرأ الجمهور
لَمْ تَكُنْ
- بتاء تأنيث حرف المضارعة - . وقرأه حمزة ، والكسائي ، ويعقوب - بياء المضارعة للغائبة - باعتبار أنّ
قالُوا
هو اسم ( كان ) . وقرأ الجمهور
فِتْنَتُهُمْ
- بالنصب - على أنّه خبر ( كان ) ، فتكون ( كان ) ناقصة واسمها
إِلَّا أَنْ قالُوا
وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم - بالرفع - على أنّه اسم ( كان ) و
أَنْ قالُوا
خبر ( كان ) ، فتجعل ( كان ) تامّة . والمعنى لم توجد فتنة لهم إلّا قولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
، أي لم تقع فتنتهم إلّا أن نفوا أنّهم أشركوا . ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب
فِتْنَتُهُمْ
هو أنّ فاعله مؤنّث تقديرا ، لأنّ القول المنسبك من ( أن ) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين . قال أبو علي الفارسي : وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] ، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها . وقرأ الجمهور
رَبِّنا
- بالجرّ - على الصفة لاسم الجلالة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بالنصب - على النداء بحذف حرفه . وذكرهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك ، أي لا ربّ لنا غيره . وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جريا على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة ، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه ، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على اللّه تعالى فيتخلّصون من العقاب . ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذ ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له ، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا . وفي « صحيح البخاري » : أنّ رجلا قال لابن عباس : إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ ، فذكر منها قوله :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
[ النساء : 42 ] وقوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 54 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور