تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
كلّها - بضم الهمزة - وإسطارة وإسطار - بكسر الهمزة - . والاختلاف في حركات الكلمة الواحدة من جملة أمارات التعريب . ومن أقوالهم : « أعجميّ فالعب به ما شئت » . وأحسن الألفاظ لها أسطورة لأنّها تصادف صيغة تفيد معنى المفعول ، أي القصّة المسطورة . وتفيد الشهرة في مدلول مادّتها مثل الأعجوبة والأحدوثة والأكرومة . وقيل : الأساطير اسم جمع لا واحد له مثل أبابيل وعباديد وشماطيط . وكان العرب يطلقونه على ما يتسامر الناس به من القصص والأخبار على اختلاف أحوالها من صدق وكذب . وقد كانوا لا يميّزون بين التواريخ والقصص والخرافات فجميع ذلك مرمي بالكذب والمبالغة . فقولهم :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
. يحتمل أنّهم أرادوا نسبة أخبار القرآن إلى الكذب على ما تعارفوه من اعتقادهم في الأساطير . ويشتمل أنّهم أرادوا أنّ القرآن لا يخرج عن كونه مجموع قصص وأساطير ، يعنون أنّه لا يستحقّ أن يكون من عند اللّه لأنّهم لقصور أفهامهم أو لتجاهلهم يعرضون عن الاعتبار المقصود من تلك القصص ويأخذونها بمنزلة الخرافات التي يتسامر الناس بها لتقصير الوقت . وسيأتي في سورة الأنفال أنّ من قال ذلك النضر لا الحارث ، وأنّه كان يمثّل القرآن بأخبار ( رستم ) و ( إسفنديار ) . [ 26 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 26 ]

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 26 ) عطف على جملة
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
، والضميران المجروران عائدان إلى القرآن المشار إليه باسم الإشارة في قولهم :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ الأنعام : 25 ] . ومعنى النهي عنه النهي عن استماعه . فهو من تعليق الحكم بالذات . والمراد حالة من أحوالها يعيّنها المقام . وكذلك الناي عنه معناه النأي عن استماعه ، أي هم ينهون الناس عن استماعه ويتباعدون عن استماعه . قال النابغة :
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر * وعن تربّعهم في كلّ أصفار
يعني نهيتهم عن الرعي في ذي أقر ، وهو حمى الملك النعمان بن الحارث الغسّاني . وبين قوله :
يَنْهَوْنَ
- و
يَنْأَوْنَ
الجناس القريب من التمام . والقصر في قوله :
وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم لأنّهم يظنّون بالنهي والنأي عن القرآن أنّهم يضرّون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لئلّا يتّبعوه ولا يتّبعه الناس ، وهم إنّما يهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال وبتضليل الناس ، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس ، وفي هذه الجملة تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وأنّ ما أرادوا به نكايته
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور