تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
الجنة بحسب شهواتهم ، بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب ، ويقال لهم
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً
حال أي متهنئين
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 43 ) من الطاعات
إِنَّا كَذلِكَ
كما جزينا المتقين
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 44 )
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 45 )
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا
خطاب للكفار في الدنيا
قَلِيلًا
من الزمان وغايته إلى الموت ، وفي هذا تهديد لهم
إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
( 46 )
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 47 )
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا
صلوا
لا يَرْكَعُونَ
( 48 ) لا يصلون
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 49 )
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ
أي القرآن
يُؤْمِنُونَ
( 50 ) أي لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب اللّه بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره .
شرح
شهواتهم ) أي فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة ، فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت ، كما في أنواع فاكهة الدنيا ، قال تعالى :أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها .قوله : ( ويقال لهم ) أي من قبل اللّه ، أو القائل لهم الملائكة إكراما لهم . قوله : ( كما جزينا المتقين ) أي بالظلال والعيون والفواكه نجزي المحسنين . إن قلت : لا مغايرة بين المتقين والمحسنين ، ففيه تشبيه الشيء بنفسه . والجواب : أن يراد بالمتقين الكاملون في الطاعة ، وبالمحسنين من عندهم أصل الإيمان ، ويصير المعنى : إن هذا الجزاء كما هو ثابت للكاملين في الطاعة ، ثابت لمن كان عنده أصل الإيمان ، فالمماثلة في الأوصاف التي ذكرت في تلك الآية ، لا في المراتب والدرجات فتدبر . قوله : ( من الزمان ) أي فقليلا منصوب على الظرفية . قوله : ( وغايته إلى الموت ) أي فهو مدة العمر ، قال بعض العلماء : التمتع في الدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الأذن ، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين ، والأعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها . قوله :وَإِذا قِيلَ لَهُمُأي لهؤلاء المجرمين ، أي من أي قائل كان . قوله : ( صلوا ) أي فسميت الصلاة باسم جزئها وهو الركوع ، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة . قوله :فَبِأَيِّ حَدِيثٍمتعلق بيؤمنون ، قال الرازي : إنه تعالى بالغ في زجر الكفار من أول السورة إلى آخرها ، بهذه الوجوه العشرة المذكورة ، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ، ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل العظيمة مع وضوحها ، لا يؤمنون بغيرها ، قال البوصيري في همزيته :وإذا البينات لم تغن شيئا * فالتماس الهدى بهن عناءقوله : ( لاشتماله على الإعجاز ) أي فقد ورد : أن معجزات المصطفى ، مائة ألف وسبعون ألفا في القرآن ، منها مائة ألف والسبعون من غيره ، وهذا التعليل لا ينتج ما قاله المفسر من عدم الإمكان ، إذ يجوز أن يؤمنوا بغيره مع عدم إعجازه ، ويكذبون بالقرآن المعجز ، فلو قال في التعليل : لأن القرآن مصدق للكتب القديمة ، موافق لها في أصول الدين ، فيلزم من تكذيبه تكذيب غيره من الكتب ، لأن ما في غيره موجود فيه ، فلا يمكن الإيمان بغيره مع تكذيبه لكان أولى .