حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 208
بسم الله الرحمن الرحيم سورة التغابن مدنيّة وآياتها ثماني عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينزهه ، فاللام زائدة ، وأتى بما دون من تغليبا للأكثر لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ في أصل الخلقة ثم يميتهم ويعيدهم على ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 2 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ إذ جعل شكل بسم الله الرحمن الرحيم سورة التغابن مكية أو مدنية وهي ثمان عشرة آية أي إلا قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ إلى آخر السورة ، لأنها نزلت بالمدينة باتفاق المفسرين ، وهذا قول ابن عباس وغيره . قوله : ( أو مدنية ) وهو قول الأكثر . قوله : ( فاللام زائدة ) أي أو للتعليل كما تقدم . قوله : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قدم الجار والمجرور فيهما ، لإفادة حصر الملك والحمد فيه سبحانه وتعالى حقيقة ، وأما نسبة الملك والحمد لغيره تعالى فبطريق المجاز . قوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالدليل لما قبله . قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أي تعلقت إرادته بخلقكم أزلا ، وقوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي بحسب تعلق قدرته وإرادته ، فما قدر أزلا من كفر وإيمان ، لا بد وأن يموت الشخص عليه ، لما في الحديث : « إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » . واعلم أن القسمة رباعية : شخص كتب سعيدا في الأزل ، ويظهر مؤمنا ويموت عليه . وشخص كتب شقيا في الأزل ، فيعيش كافرا ويموت كذلك ، وشخص كتب سعيدا في الأزل ، فيعيش كافرا ويختم له بالإيمان ، وهذه الثلاثة كثيرة الوقوع . وشخص يعيش مؤمنا ، ويختم له بالكفر ، وذلك أندر من الكبريت الأحمر . وبالجملة فالخاتمة تظهر السابقة ، لأن ما قدر في الأزل ، لا يغير ولا يبدل . قوله : ( ثم يميتهم ويعيدهم ) فيه التفات من الخطاب