جَمْعِهِمْ
للحشر
إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
( 29 ) في الضمير تغليب العاقل على غيره
وَما أَصابَكُمْ
خطاب للمؤمنين
مِنْ مُصِيبَةٍ
بلية وشدة
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
أي كسبتم من الذنوب ، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
( 30 ) منها فلا يجازي عليها وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة ، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة
وَما
شرح
قيل : إن الآية باقية على ظاهرها ، ولا مانع من أن اللّه تعالى خلق حيوانات في السماوات ، يمشون فيها كمشي الأناسي على الأرض ، لأن ذلك بعيد من الافهام ، لكونه على خلاف العرف العام .
قوله :إِذا يَشاءُمتعلق بجمعهم ، وقَدِيرٌخبر الضمير ، وعَلى جَمْعِهِمْمتعلق بقدير ، والمعنى : وهو قدير على جمعهم في أي وقت شاء ، وهو معنى قوله تعالى :إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُفمتى أراد اللّه شيئا أبرزه بقدرته . قوله : ( في الضمير ) أي وهو قوله :عَلى جَمْعِهِمْولو لم يرد التغليب لقال على جمعها . قوله : ( خطاب المؤمنين ) أي وأما مصائب الكفار في الدنيا ، فتعجيل لبعض العقاب لهم .
قوله :مِنْ مُصِيبَةٍبيان لما ، وقوله :فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْجواب الشرط إن جعلت ما شرطية ، أو خبر المبتدأ إن جعلت موصولة ، وقرنت بالفاء لما في المبتدأ على معنى الشرط ، وهذا على ثبوت الفاء ، وأما على حد قراءة حذفها ، فالأولى جعلها خبرا وما موصولة ، وجعلها شرطية يلزم عليه حذف الفاء في جوابه هو شاذ والقراءتان سبعيتان .
قوله :وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍمن تتمة قوله :فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْوالمعنى : أن الذنوب قسمان ، قسم تعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب ، وقسم يعفو عنه فلا يعاقب عليه بها ، وما يعفو عنه أكثر ، قال علي بن أبي طالب : هذه الآية أرجى آية في كتاب اللّه عزّ وجل ، وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير ؛ فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه ؟ وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال علي بن أبي طالب : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللّه حدثنا بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْالآية ؟ « يا علي ، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ، فبما كسبت أيديكم ، واللّه أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه في الدنيا ، فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه » . وقال الحسن : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من اختلاف عرق ، ولا خدش عود ، ولا نكتة حجر ، إلا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » . وقال الحسن : دخلنا على عمران بن حصين ، فقال رجل : لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع ، فقال عمران : يا أخي لا تفعل ، فو اللّه إني لأحب الوجع ، ومن أحبه كان أحب الناس إلى اللّه ، قال تعالى :وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْفهذا مما كسبت يدي ، وعفو ربي عما بقي أكثر . وقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها ، إلا بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلا بها ، أو لنيل درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها .
وروي أن رجلا قال لموسى : يا موسى سل اللّه لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ، ففعل موسى ، فلما ترك إذا هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله ، فقال موسى : يا رب ما بال هذا ؟ فقال اللّه تعالى : يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لا يبلغها بعمله ، فأصبته بما ترى ، لأجعله وسيلة له في نيل تلك الدرجة . قوله :
( وهو تعالى أكرم ) إلخ ، متعلق بقوله :فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْفكان المناسب تقديمه بلصقه . قوله : ( من أن يثني الجزاء في الآخرة ) أي من أن يعيد الجزاء بالعقوبة في الآخرة ، لأن الكريم لا يعاقب مرتين . قوله :