تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
الشرك
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 53 )
وَأَنِيبُوا
ارجعوا
إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا
أخلصوا العمل
لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
( 54 ) بمنعه إن لم تتوبوا
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
هو القرآن
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
( 55 ) قبل إتيانه
شرح
على غفرانه تعالى ، وهو لا يليق . أجيب : بأن المقصود تنبيه العاصي على إنه ينبغي له أن يقدم على التوبة ، ولا يقنط من رحمة اللّه ، وليس ذلك إغراء بالمعاصي ، بل هو تطمين للعصاة ، وترغيب لهم في الإقبال على ربهم . قوله : ( بكسر النون وفتحها ) أي من باب جلس وسلم وهما سبعيتان . قوله : ( وقرئ بضمها ) أي من باب دخل ، وهي شاذة . قوله :إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاًأي إشراكا أو غيره ، وهو مقيد بالتوبة كما قال المفسر ، لأن بها يخرج العاصي من ذنوبه كيوم ولدته أمه لما في الحديث : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » وأما من مات مسلما ولم يتب من ذنوبه فأمره مفوض لربه ، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر جرمه ، ثم يدخله الجنة ، وأما من مات مشركا ، فلا يغفر له بنص قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ *ومن هنا قيل : رحمة اللّه غلبت غضبه ، لأن دار الغضب مخصوصة بمن مات مشركا ، بخلاف دار الرحمة ، فهي لمن عدا ذلك . قوله : ( لمن تاب من الشرك ) إنما خص الشرك ، لأن التوبة منه مقبولة قطعا بنص قوله تعالى :قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَبخلاف التوبة من غير الشرك ، ففيها قولان : قيل مقبولة ظنا ، وقيل قطعا ، والفرق أن تعذيب العاصي تطهير ، وتعذيب الكافر غضب ، فمآل العاصي للجنة ، وإن طالت مدته في النار ، لأن معاملته بالفضل والرحمة بخلاف الكافر ، فمعاملته بالعدل . قوله :إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُتعليل لما قبله ، وهذان الوصفان يكونان لمن تاب ، فالغفران له دخوله الجنة . قوله :وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْأتى بهذه الآية عقب التي قبلها لئلا يتكل العاصي على الغفران ، ويترك التوبة والرجوع إلى اللّه ، فأفاد أن الرجوع إلى اللّه والإقبال عليه مطلوب ، ومن ترك ذلك فله الوعيد العظيم . قوله : ( إن لم يتوبوا ) راجع لقوله :مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ. قوله :وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْأي على لسان أحسن نبي وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا معطوف على قوله :وَأَنِيبُواوالمعنى : ارجعوا إلى ربكم ، والزموا أوامر أحسن كتاب أنزل إليكم ونواهيه ، وهذا الخطاب عام للأولين والآخرين من لدن آدم إلى يوم القيامة ، ولكن من أدركه التكليف كلف باتباعه ، ومن لم يدركه بأن كان متقدما عليه ، يلزمه اتباعه لو فرض أنه أدركه ، ومن هنا أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم ، إن ظهر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأحدهم حي يلزمه اتباعه ، وفي الحديث : « لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي » . وحينئذ فالمعنى : اتبعوا يا عبادي من أول الزمان لآخره ، أحسن كتاب أنزل إليكم من ربكم ، فالمكلف بهذا الخطاب من أدركه ومن لم يدركه ، لكن من لم يدركه مكلف به لولا مانع الموت ، ولذا كلف به من بقي حيا حتى أدركه ، كالخضر وإلياس وعيسى عليهم السّلام . قوله : ( القرآن ) تفسير لأحسن ، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة ، وأحسنها القرآن ، وهذا كله على ما فهم المفسر ، وقيل : معنىأَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْالخ ، أي من القرآن وهو أوامره دون نواهيه ، أو عزائمه دون رخصه ، أو ناسخه دون منسوخه ، أو ما هو أعم ، والخطاب لخصوص هذه الأمة فتدبر .