تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
بلية يبتلى بها العبد
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 49 ) أن التخويل استدراج وامتحان
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم ، كقارون وقومه الراضين بها
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 50 )
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
أي جزاؤها
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ
أي قريش
سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
( 51 ) بفائتين عذابنا ، فقحطوا سبع سنين ثم وسع عليهم
أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
يوسعه
لِمَنْ يَشاءُ
امتحانا
وَيَقْدِرُ
يضيقه لمن يشاء ابتلاء
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 52 ) به
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا
بكسر النون وفتحها ، وقرئ بضمها تيأسوا
مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
لمن تاب من
شرح
على النعمة ، والمعنى أن النعمة فتنة ، أي امتحان واختبار ، هل يشكر عليها أو يكفرها . قوله : ( أن التخويل ) أي إعطاء النعم تفضلا وإحسانا . قوله : ( الراضين بها ) أشار بذلك إلى أن قومه لم يقولوها بالفعل ، وإنما نسبت لهم من حيث رضاهم بها . قوله :سَيِّئاتُ ما كَسَبُواأي جزاء أعمالهم السيئة . قوله :مِنْ هؤُلاءِبيان للذين ظلموا . قوله : ( فقحطوا سبع سنين ) أي أوائل سني الهجرة ، حتى أكلوا الجيف والعظم المحرق . قوله : ( ثم وسع عليهم ) أي استدراجا لهم ، لا رضا عليهم . قوله :أَ وَلَمْ يَعْلَمُواأي القائلون : إنما أوتيته على علم عندي . قوله :يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُأي وإن كان لا حيلة له ولا قوة ، طائعا أو عاصيا ، وقوله :وَيَقْدِرُأي لمن يشاء ، وإن كان قويا شديدا ، طائعا أو عاصيا ، فليس لبسط الرزق الدنيوي ولا لقبضه ، مدخل في محبة اللّه ولا بغضه ، بل بحكمته تعالى . قوله :إِنَّ فِي ذلِكَأي المذكور . قوله :قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواالخ ، سبب نزولها : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام ، فأرسل إليه : كيف تدعوني إلى دينك ، وأنت تزعم أنه من قتل أو اشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب ، وأنا فعلت ذلك كله ؟ فأنزل اللّهإِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاًفقال وحشي : هذا شرط شديد ، لعلي لا أقدر عليه ، فهل غير ذلك ؟ فأنزل اللّهإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *قال وحشي : أراني بعد في شبهة ، أيغفر لي أم لا ؟ فنزلت هذه الآية ، فقال وحشي : نعم ، الآن لا أرى شرطا ، فأسلم ، وهذه الآية عامة لكل كافر وعاص ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومن ثم قيل : إنها أرجى آية في كتاب اللّه تعالى ، وفيها من أنواع المعاني والبيان أمور حسان ، منها : إقباله تعالى على خلقه ونداؤه إياهم . ومنها : إضافتهم إليه إضافة تشريف ، ومنها : التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله :مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. ومنها : إضافة الرحمة لأجل أسمائه ، الجامع لجميع الأسماء والصفات ، وهو لفظ الجلالة . ومنها : الاتيان بالجملة المعرفة الطرفين المؤكدة بأن وضمير الفصل في قوله :إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُللإشارة إلى أنه تعالى لا وصف له مع عباده إلا الغفران والرحمة ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ، أن اللّه تعالى لما شدد على الكفار التشديد العظيم في قولهوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًالآية ، أتبعها بذكر عظيم غفرانه ورحمته لمن آمن ، ليجمع العبد بين الرجاء والخوف . قوله :الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْأي فرطوا في الأعمال الصالحة ، وارتكبوا سيئ الأعمال ، وأكثروا منه . قوله :لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِإن قلت : إن في هذا إغراء بالمعاصي ، واتكالا