تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
كثيرة ، فبعضها سيارة أي كواكب ليلية وبعضها ثابتة ، والثوابت بعضها في المنطقة ، وبعضها في القطبين ، وأيضا الثوابت لامعة ، والسيارة أجسام معتمة ، وأيضا بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء ، وبعضها صغيرة خفية قليلة الضوء فمن هذا قدروا مقاديرها على سبع مراتب ، إذا عرفت هذا فنقول : قد دللنا على أن الأجسام متماثلة ، وبينا أنه متى كان الأمر كذلك ، كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلا على أن ذلك ليس إلا بتقدير الفاعل المختار ، فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل ، وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه فنقول : إنه لا عيب يقدح في إلهية هذه الكواكب ، إلا أنها أجسام ، فتكون مؤلفة من الأجزاء والأبعاض ، وأيضا أنها متناهية ومحدودة ، وأيضا أنها متغيرة ومتحركة ومنتقلة من حال إلى حال ، فهذه الأشياء إن لم تكن عيوبا في الإلهية امتنع الطعن في إلهيتها ، وإن كانت عيوبا في الإلهية ، وجب تنزيه الإله عنها بأسرها فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمي ، والأعضاء والأبعاض والحد والنهاية والمكان والجهة ، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب في بر التعطيل ويجز التشبيه ، وهذا وإن كان عدولا عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا أنه قريب مناسب لعظمة كتاب اللّه . ( الوجه الخامس ) : في منافع هذه الكواكب ، وهي ما ذكره اللّه تعالى في قوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
[ آل عمران : الآية 191 ] . فنبه على سبيل الإجمال على أن في وجود كل واحد منها حكمة عالية ومنفعة شريفة ، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل ، ويجب نفيه ، فمن أراد أن يقدر حكمة اللّه تعالى في ملكه وملكوته ، مكيال خياله ومقياس قياسه فقد ضل ضلالا مبينا ، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم قال تعالى :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[ الأنعام : الآية 97 ] . إذا علمت ذلك ، فاعلم أن النجوم الثوابت تنقسم بالنسبة إلى لمعانها إلى سبع مراتب في العظم . ( فأولها ) : ذات العظم الأول . ( وثانيها ) : ذات العظم الثاني إلى آخرها ، ولا يمكن رؤية ذات العظم السابع أو الثامن . ( ثم إنه يوجد ) في السماء بعض أشياء مبيضة مسماة بالسحابية . ( فمنها ) ما هو متألف من تراكم جملة نجوم ، ( ومنها ) ما هو متألف من اجتماع جملة مواد مبيضة ، والمجرة التي هي في صورة عصابة مستطيلة عارية عن الانتظام ذات ابيضاض ، تمر في السماء من الشمال إلى الجنوب تسميها العامة بدرب التبان ليست إلا جملة سحابات متألفة ، ثم إنك إذا توهمت في السماء دوائر متوازية وخطوط أنصاف النهار مقابلا كل منها للدوائر المتوازية التي
كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 352 | أحمد فريد المزيدي / محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي