تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
( واعلم ) أن للسلف طرقا لطيفة في هذا الباب : ( أحدها ) : يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق - رضي اللّه تعالى عنه - فقال جعفر : هل ركبت البحر ؟ قال : نعم . قال : هل رأيت أهواله ؟ قال : بلى ، هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن ، وغرقت الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل . فقال جعفر : قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ، ثم على اللوح حتى يخيك ، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد ؟ قال : بل رجوت السلامة . قال : ممن كنت ترجوها . فسكت الرجل ، فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت ، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل . ( وثانيها ) : جاء في كتاب « ديانات العرب » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمران بن حصين : « كم لك من إله » . قال : عشرة . قال : فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم » . قال : اللّه . قال عليه السّلام : « مالك من إله إلا اللّه » . ( وثالثها ) : كان أبو حنيفة - رضي اللّه تعالى عنه - سيفا على الدهرية ، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه ، فبينما هو يوما في مسجده قاعدا ؛ إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله ، فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا له : هات . فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ، ليس لها ملاح يجريها ، ولا متعهدا يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا هذا شيء لا يقبله العقل . فقال أبو حنيفة : يا سبحان اللّه ، إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر ، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها ، وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ؟ فبكوا جميعا ، وقالوا : صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا ، فلله الحمد . ( ورابعها ) : سألوا الشافعي - رضي اللّه تعالى عنه - ما الدليل على وجود الصانع ؟ فقال : ورقة التوت طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم . قالوا : نعم . قال : فتأكلها دودة القز ، فيخرج منها الإبريسم ، والنحل فيخرج منها العسل ، والشاة فتربى اللحم ويخرج اللبن ، ويأكلها الظباء فتغذيها ، وينعقد في نوافجها المسك ، فمن الذي جعل هذه الأشياء متنوعة الإفرازات والغذاء واحد فاستحسنوا منه ذلك وتابوا .