[ الأنعام : الآية 97 ] . إشارة إلى أن كل شيء من الأشياء المذكورة خلقه على وفق الحكمة ، فعين تعالى أوضاع النجوم والكواكب في الكرة السماوية ، ومنها تتعين أوضاع الأماكن الأرضية فالخطوط والدوائر والمدارات كما هي منقسمة في الكرة السماوية كذلك هي منقسمة أيضا في الكرة الأرضية ، فالخط الذي يدل على دائرة وسط فلك البروج هي دائرة عظمى مائلة على خط الاستواء بثلاث وعشرين درجة ونصف ، وهي بيضاء تمتد إلى دائرتين متوازيتين موضوع كل منهما على البعد بثلاث وعشرين درجة ونصف من دائرة الاستواء ، وهاتان الدائرتان تسميان المدارين ، وهما يدلان على موضع الشمس التي تنتهي إليه في الصعود ، ثم تهبط إلى مثل محلها الذي صعدت منه ، وهكذا .
وأما الدائرتان القطبيتان فهما على البعد من القطب بثلاث وعشرين درجة ونصف ، وهما ما يكون عليهما النهار الدائم والليل الدائم مدة كون الشمس في نقطتي الانقلابين ، ثم إن المدارين ودائرتي القطب يقسمان الأرض إلى خمسة مناطق : منطقة شديدة الحرارة ، ومنطقتان معتدلتان ومنطقتان ، شديدتا البرودة ؛ فالأولى هي ما بين المدارين وفيها أشد الأماكن حرا بسبب وجود الشمس دائما في سمت بعض نقطتها ، ويسمى أهلها أرباب الظلين ؛ لأن الشمس في وجودها في نصف النهار تنبعث أشعتها في تلك المواضع ستة أشهر جهة الشمال ، وفي الستة الأشهر الأخرى يمتد الشعاع جهة الجنوب ، والثانية والثالثة كل منهما بين أحد المدارين ، ودائرة قطبيه ولا تكون الشمس في سمت رأس أهلهما أبدا ، فيسمى أهلهما أرباب اختلاف الظل ؛ لأن أرباب المنطقة المعتدلة الشمالية يرون الشمس في الجنوب ، وأرباب المنطقة المعتدلة الجنوبية يرونها في الشمال ، وأما الرابعة والخامسة فإحداهما من مبدأ الدائرة القطبية الشمالية إلى القطب الشمالي ، والأخرى من مبدأ الدائرة الجنوبية إلى القطب الجنوبي ، وفيهما غاية اشتداد البرودة ، ويسمى أهلهما أرباب الظل الدوار .
( المسألة الثالثة ) : إذا علمت هذا أيضا ، فاعلم أن منافع النجوم كثيرة :
( منها ) : أن اللّه تعالى زين السماء بها كما تقدم ، ( ومنها ) أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ، ( ومنها ) أنه يحصل بسببها تفاوت في الفصول الأربعة ، فإنها أجسام عظيمة نورانية ، ( ومنها ) أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، بدليل قوله تعالى :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
( 16 ) [ النّحل : الآية 16 ] . ذكر تعالى أنه أظهر في البر