والجهة تقرر مع عدم التمكن .
وأما عند من ينفي الخلاء فلا ؛ لأنه وإن كان معتقد أنه لا بد من متمكن يحصل في الجهة ، إلا أنه لا يقول بأنه لا بد لتلك الجهة من متمكن معين ، بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلا لذلك الحيز ، إذا ثبت هذا ، فلو كانت ذات اللّه تعالى محتاجة إلى الحيز والجهة ، لزم كونه جسما ومشابهته للحوادث ، وقد علم أنهما محالان في حقه تبارك وتعالى ، لما تقرر من الدلائل ، فثبت أن اللّه تعالى منزه عن الجسمية والعرضية والجوهرية والحلول في مكان أو جهة .
( المسألة السادسة ) : اعلم أنه سبحانه وتعالى أمر بعبادته ، والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده ،
ولما لم يكن العلم بوجوده ضروريا ، بل استدلاليا ، لا جرم أورد هاهنا ما يدل على وجوده .
واعلم أننا بينا في الأمور العقلية أن الطريق إلى إثبات وجوده سبحانه وتعالى إما الإمكان ، وإما الحدوث ، وأما مجموعهما ، وكل ذلك إما في الجوهر أو في الأعراض ، فيكون مجموع الدلائل الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها :
( أحدها ) : الاستدلال بإمكان الذوات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ محمّد : الآية 38 ] . وبقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
( 77 ) [ الشّعراء : الآية 77 ] . وقوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) [ النّجم :
الآية 42 ] . وقوله :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ
( 2 ) . وقوله :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
[ الأنعام : الآية 91 ] . وقوله :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذّاريات : الآية 50 ] . وقوله :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرّعد : الآية 28 ] .
( وثانيها ) : الاستدلال بإمكان الصفات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : الآية 164 ] . وبقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً
[ البقرة : الآية 22 ] .
( وثالثها ) : الاستدلال بحدوث الأجسام ، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : الآية 76 ] . وسيأتي .
( ورابعها ) : الاستدلال بحدوث الأعراض ، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق ، وذلك محصور في أمرين : دلائل الأنفس ، ودلائل الآفاق والكتب الإلهية في الأكثر