المراد منه ، وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه ، قل فمن يملك لكم من اللّه شيئا واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو للّه ، كما ذكره في براءة
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
( 4 ) من قول الخليل ومن معه ، أي قالوا
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
أي لا تظهرهم
شرح
المراد منه وهو المعنى الكنائي الذي علمته ، وقوله : وإن كان من حيث ظاهره وهو المعنى الوضعي الظاهر من اللفظ وهو أنه لا يملك له ثوابا ولا عقابا ، وهذا الكلام من الشارح تقرير لجواب سؤال صورته : أن قوله : وما أملك لك من اللّه من شيء ثابت لإبراهيم ولغيره فيتأسى به فيه وعطفه على المستثنى يقتضي أنه لا يتأسى به فيه وأنه لا يجوز لغيره . وحاصل الجواب : أنه لم يرد به ظاهره الذي هو مناط الإيراد ، بل أريد به معنى آخر خاص بإبراهيم لا يتأسى به فيه وهو أنه يملك الاستغفار دون غيره وملكه الاستغفار لأبيه أي : قدرته عليه شرعا وجوازه له لا يتأسى به فيه ، وهذا التقرير لم يسلكه غير الشارح وهو أحسن مما سلكه غيره ، وقوله : قل فمن يملك الخ استدلال على قوله : يتأسى به فيه فكأنه قال بدليل قوله الخ اه شيخنا .
وفي الكرخي : وإيضاحه أن الاستثناء مجموع الكلام لكن بعضه مقصود وبالذات والبعض الآخر تابع له ، فيكون وما أملك من اللّه من شيء حالا وتتميما لقوله لأستغفرن لك أي : وما عليه إلا بذل الوسع في الاستغفار ومن ثم جيء بها قسيمة اه .
وفي أبي السعود : وقوله تعالى :وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍمن تمام القول المستثنى محله النصب على أنه حال من فاعل لأستغفرن لك أي : أستغفر لك وليس في طاقتي إلا الاستغفار ، فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في نفسه من خصال الخير لكونه إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى اللّه تعالى اه .
وفي زاده : وقوله : فهو مبني عليه أي : مرتب عليه بطريق العطف أو بطريق الحالية ، كأنه قال :
لأستغفرن لك والحال أنه ليس في وسعي وطاقتي إلا الاستغفار ، فحكى اللّه عنه هذا الموضوع اه .
قوله : ( واستغفاره له الخ ) بيان لعذر إبراهيم في استغفاره لأبيه الموعود به هنا بقوله : لأستغفرن لك . والمذكور صريحا في سورة الشعراء بقوله :وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ[ الشعراء : 86 ] والموعود به في سورة مريم بقوله :سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا[ مريم : 47 ] وبيّن في سورة براءة عذره في الوعد بالاستغفار وترتيب الاستغفار على الوعد بقوله :وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ[ مريم : 47 ] الآية . وحاصل العذر أنه ظن إسلامه وقد تبين خلافه اه شيخنا .
قوله : ( من مقول الخليل ومن معه ) أي : فهو من جملة المستثنى منه فيتأسى به فيه ، فهو في المعنى مقدم على الاستثناء وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه ، وقوله : قالوا أي فهو معمول للقول السابق أي : قالوا إنا برآء منكم الخ ، وقالوا : ربنا عليك توكلنا الخ ، وهذا أحد احتمالين في البيضاوي ونصه : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير متصل بما قبل الاستثناء ، أو هو أمر من اللّه للمؤمنين بأن يقولوا تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار اه .