الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 455
الْأَبْصارِ ( 2 ) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي ، كما فعل بقريظة من اليهود وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا من العين إلى الخد ، وسمي علم التعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره ، ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر اه خطيب . قوله : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ أن مصدرية وهي مع ما في حيزها في محل رفع على الابتداء ، لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ وخبره محذوف أي لولا الكتب موجودة اه زاده . قوله : ( الخروج من الوطن ) عبارة الخطيب : ولولا أن كتب اللّه عليهم الجلاء والخروج من الوطن والجولان في الأرض ، فأما معظمهم فأجلاهم بختنصر من بلاد الشام إلى العراق ، وأما هؤلاء فكان جلاؤهم على يده صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذهب بعضهم إلى الحيرة وبعضهم إلى الشام مرة بعد أخرى . تنبية : قال الرازي : الجلاء أخص من الخروج لأنه لا يقال إلا للجماعة ، والاخراج يكون للجماعة والواحد ، وقال بعضهم : الجلاء ما كان من الأهل والولد والاخراج لا يتقيد بذلك ، انتهت . وفي المختار : الجلاء بالفتح والمد الأمر الجلي تقول منه جلا الخبر يجلو جلاء وضح ، والجلاء أيضا الخروج من البلد والاخراج أيضا وقد جلوا عن أوطانهم وجلاهم غيرهم يتعدى ويلزم اه . وفي المصباح : والفاعل من الثلاثي جال مثل قاض والجماعة جالية ، ومنه قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر رضي اللّه عنه من جزيرة العرب جالية ، ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم ، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه ، فيقال : استعمل فلان على الجالية والجمع الجوالي اه . قوله : وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة اه بيضاوي . ولو كان معطوفا على قوله لعذبهم في الدنيا للزم أن ينجوا من عذاب الآخرة أيضا ، لأن لولا تقتضي انتفاء الجزاء بحصول الشرط اه زاده . قوله : ذلِكَ أي المذكور من العذابين بسبب أنهم الخ . قوله : وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ من شرطية ، وقوله : فإن اللّه الخ إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد عند من يلتزمه وقد قدره الشارح بقوله له ، أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه اللّه فإن اللّه شديد العقاب ، وأيا ما كان فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني ، كأنه قيل : الذي حاق بهم من العقاب العاجل والآجل بسبب مشاقتهم اللّه ورسوله ، وكل من يشاق اللّه كائنا من كان فله بسبب ذلك عذاب شديد فإذن لهم عذاب شديد اه أبو السعود بنوع تصرف .