تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
شرح
من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال ، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين بل عبارة عن التقدير . وإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى خلق الأرض في يومين معناه أنه قضى بحدوثها في يومين ، وقضاء اللّه تعالى بأنه سيحدث كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء اللّه تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث الأرض وحينئذ يزول السؤال اه خطيب . فعلى هذا تكون ثم للترتيب الإخباري لا الزماني ، والذي تلخص من الكلام القرطبي في سورة البقرة أن الذي خلق أولا هو الدخان الذي هو أصل السماء ، ثم بعده الأرض غير مدحوة ، ثم خلقت السماء مبسوطة متفاصلة طباقا بعضها فوق بعض ، ثم دحيت الأرض وخلق ما فيها من الأرزاق وغيرها اه . وقد تقدم هناك نقل عبارته مبسوطة فارجع إليها إن شئت . وعبارة السمين : قوله :وَهِيَ دُخانٌالدخان : ما ارتفع من لهب النار ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها وقياس جمعه في القلة أدخنة وفي الكثرة دخيان مثل غراب وأغربة وغربان ، وقوله : وهي دخان من باب التشبيه الصوري لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين اه . قوله :ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاًتمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات للطوع والكره لهما ، وقوله : قالتا أتينا طائعين تمثيل لكمال تأثرهما بالذات عن القدرة الربانية وحصولها كما أمرنا به اه أبو السعود . وفي الكرخي : وقد يتضمن كلامه أن معنى طوعا أو كرها إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما ، ومعنى أتينا طائعين الأظهر أنه تصوير لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع ، كقوله : كن فيكون ففيه استعارة تمثيلية شبه حال الصانع سبحانه في تأثير قدرته على وفق إرادته فيهما ، أو حالهما في قبولهما الوجود والحدوث والحصول بتعلق قدرته تعالى على وفق الإرادة بحال الآمر المطاع أو المأمور المطيع ، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في كونها مكنية كما تقول : نطقت الحال بدل دلت فيجعل الحال كالأنسان الذي يتكلم في الدلالة والبرهان ، ثم يتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به وينسب إليه اه . وفي القرطبي : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها أي : جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي . قال ابن عباس : قال اللّه تعالى للسماء : أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك وأجري رياحك وسحابك ، وقال للأرض : شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين : قالتا أتينا طائعين ، وفي الكلام حذف أي : أتينا أمرك طائعين ، وقيل : معنى هذا الأمر التسخير أي : كونا فكانتا كما قال تعالى :إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ النحل : 40 ] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما ، وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما وهو قول الجمهور . وفي قوله تعالى لهما وجهان ، أحدهما : أنه قول تكلم به . الثاني : أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 10 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي