الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 423
أَحْسَنَهُ وهو ما فيه صلاحهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) أصحاب العقول أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ * الآية أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ تخرج مَنْ فِي وفي الخطيب : لَهُمُ الْبُشْرى أي : في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فالثناء عليهم بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر ، وأما في الآخرة فعند الخروج من القبور وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة ، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح والريحان . تنبيه : يحتمل أن يكون المبشر لهم هم الملائكة لأنهم يبشرونهم عند الموت لقوله تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ النحل : 32 ] ويحتمل أن يكون هو اللّه تعالى لقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] ولا مانع أن يكون من اللّه تعالى ومن الملائكة عليهم السّلام ، فإن فضل اللّه سبحانه واسع اه . قوله : فَبَشِّرْ عِبادِ وهم الموصوفون باجتناب الأوثان والإنابة إلى اللّه فالمقام للضمير ، وإنما أتى به ظاهرا توصلا لوصفهم بما ذكر اه شيخنا . قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ الخ إشارة إلى الموصوفين بما ذكر اه أبو السعود . قوله : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ بيان لأحوال أضداد المذكورين على طريقة الاجمال ، وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها ، كما يلوح به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب ، فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] وقوله تعالى : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأعراف : 18 ] اه أبو السعود . وفي القرطبي : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على إيمان قومه ، وقد سبقت لهم من اللّه الشقاوة فنزلت هذه الآية . قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان اه . وفي من هذه وجهان ، أظهرهما : أنها موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف فقدره أبو البقاء كمن نجا ، وقدره الزمخشري فأنت مخلصه حذف لدلالة أفأنت تنقذ عليه ، وقدره وغيره تتأسف عليه ، وقدره الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء تقديره أأنت مالك أمر الناس فمن حق عليه كلمة العذاب ، وأما غيره فيدعي أن الأصل تقديم الفاء ، وإنما أخرت لما تستحقه الهمزة من الصدارة . وقد تقدم تحقيق هذين القولين غير مرة . الثاني : أن تكون من شرطية وجوابها أفأنت ، فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة الجزاء وأعيدت الهمزة لتأكيد معنى الانكار وأوقع الظاهر وهو من في النار موقع المضمر كان الأرض أفأنت تنقذه ، ولذلك وقع موقعه شهادة عليه بذلك وإلى هذا نحا الحوفي والزمخشري . قال الحوفي : وجيء بألف الاستفهام لما طال الكلام توكيدا ولولا طوله لم يجز الاتيان بها لأنه لا يصلح في العربية أن يأتي بألف الاستفهام في الاسم وألف أخرى في الجزاء ، ومعنى الكلام