بِفاتِنِينَ
( 162 ) أي أحدا
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
( 163 ) في علم اللّه تعالى ، قال جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم
وَما مِنَّا
معشر الملائكة أحد
إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
( 164 ) في السماوات يعبد اللّه فيه لا يتجاوزه
وَإِنَّا لَنَحْنُ
شرح
وقوله :ما أَنْتُمْالخ كلام آخر ، وما نافية . وأنتم : اسمها إن كانت عاملة ، أو مبتدأ إن كانت مهملة ، والمعنى ما أنتم عليه أي : على ما تعبدونه ، فالضمير عائد على ما ، وقوله :بِفاتِنِينَأي :
بباعثين على طريقة الفتنة ، والمفعول محذوف كما قدره الشارح بقوله : ( أي : أحدا ) ، وقوله :إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِمستثنى من المفعول المحذوف ، أو هو مفعول بفاتنين إن جعل الاستثناء مفرغا ، والمعنى إلا شخصا صاليا الجحيم . أي : ومستوجبا لصليها ودخولها في علم اللّه أي : فإنكم تفتنونه وتحملونه وتبعثونه على عبادة الأصنام . وهذا الاحتمال هو المنطبق على تقدير الشارح كما علمت .
وفي المقام احتمال آخر وهو أن ما معطوفة على اسم إن ، وجملة ما أنتم خبر إن وما عطف عليه ، وأنتم واقع على الخاطبين ، وأصنامهم المعبر عنها بما على سبيل تغليب المخاطب على الغائب ، والأصل فإنكم ومعبودكم ما أنتم ولا هو فغلب المخاطب ، وعليه متعلق بفاتنين ، والضمير عائد على اللّه تعالى ، ومفعول فاتنين محذوف ، والمعنى أما أنتم ولا معبودكم بفاتنين أي : مفسدين عليه تعالى أحدا من عباده إلا من هو صال الجحيم . يقال : فتن فلان على فلان امرأته أي : أفسدها عليه ، وهذا الاحتمال قرره البيضاوي أيضا وغيره ، وقد عرفت أن المنطبق على كلام الشارح هو الأول تأمل .
قوله :إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِمن مفعول بفاتنين والاستثناء مفرغ اه سمين .
وهذا من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فهو استثناء من المفعول الذي قدره الشارح ، وصال معتل كقاض فرفعه بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين اه شيخنا .
وفي السمين : وقرأ العامة صال الجحيم بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت منه لامه لالتقاء الساكنين وحمل لفظ من فأفرده كما أفرد هو اه .
قوله :وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌفيه وجهان ، أحدهما : أن منا صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ ، والخبر الجملة في قوله :إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌتقديره : ما أحد منا إلا له مقام ، وحذف المبتدأ مع من جيد فصيح . والثاني : أن المبتدأ محذوف أيضا وإلا له مقام صفة حذف موصوفها ، والخبر على هذا هو الجار المتقدم ، والتقدير وما منا أحد إلا له مقام معلوم اه سمين .
وهذا حكاية لاعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم ، والمعنى وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر اللّه في تدبير العالم ، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله : سبحان اللّه عما يصفون من كلام الملائكة ليتصل بقوله : ولقد علمت الجنة كأنه قال : ولقد علمت الملائكة أن المشركين بذلك للشقاوة المقدرة ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيها لا يتجاوزونها ، وقيل : هو من كلام النبي والمؤمنين ، والمعنىوَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌفي الجنة أو بين يدي اللّه تعالى في القيامةوَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَفي الصلاة والمنزهون له عن السوء اه بيضاوي .
وفي القرطبي : قال مقاتل :وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌهذه الثلاث آيات نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم