شرح
للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى :وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ[ إبراهيم : 45 ] فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على تكذيب الرسل أي : طبق حالهم بحالهم على أن مثلا مفعول ثان لاضرب ، وأصحاب القرية مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه ، وعلى الثاني اذكر وبيّن لهم قصة هي في الغرابة كالمثل : قوله : ( أنطاكية ) بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة العواصم ، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل دورها اثنا عشر ميلا ، والعواصم بلاد قصبتها أنطاكية اه .
وهي بأرض الروم . قال العلماء بأخبار الأنبياء : بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام رسولين من الحواريين إلى أهل أنطاكية ، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب يس فسلما عليه ، فقال الشيخ لهما : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى عليه الصلاة والسّلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال : أمعكما آية ؟ قالا : نعم نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن اللّه . قال الشيخ : إن لي ابنا مريضا منذ سنين . قالا : فانطلق بنا نتطلع حاله فأتى بهما فمسحا ابنه ، فقام في الوقت بإذن اللّه تعالى صحيحا ، ففشا الخبر في المدينة وشفى اللّه تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى ، وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه أنطيخا ، وكان من ملوك الروم فانتهى خبرهما إليه فدعا بهما وقال : من أنتما ؟ قالا : رسولا عيسى عليه الصلاة والسّلام . قال : وفيما جئتما ؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر ، فقال : وهل لنا إله دون آلهتنا ؟ قالا : نعم الذي أوجدك وآلهتك . قال لهما : قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما .
وقال وهب : بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام هذين الرجلين إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما ، فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا اللّه تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام رأس الحواريين شمعون الصفي على أثرهما ليبصرهما ، فدخل شمعون البلد متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته . فقال للملك ذات يوم : بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك ، فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال : حال الغضب بيني وبين ذلك . قال : فإن رأيي أيها الملك أن تدعوهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك ، فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى ههنا . قالا : اللّه الذي خلق كل شيء وليس له شريك ، فقال شمعون : فصفاه وأوجزا . قالا : إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فقال شمعون : وما آيتكما ؟ قالا : ما تتمناه . فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة ، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر ، فأخذا بندقتين من طين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما ، فتعجب الملك فقال شمعون للملك : إن أنت سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا كان لك الشرف ولإلهك . فقال له الملك : ليس لي عنك سر مكتوم ، فإن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع . وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم ، فقال الملك للرسولين : إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به