تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الأعمال الشاقة على عادتها ، لا تشعر بموته ، حتى أكلت الأرضة عصاه ، فخرّ ميتا
ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ
مصدر أرضت الخشبة بالبناء للمفعول ، أكلتها الأرضة
تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
شرح
وكان للمحراب طاقات من بين يديه ومن خلفه ، فكان الجن ينظرون إليه ويحسبون أنه حي ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطوله منه قبل ذلك ، فمكثوا يعملون حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتا اه خازن . وفي القرطبي : وذلك أن داود أسس بيت المقدس ، فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمامه فأمر سليمان الجن به فلما دنت وفاته قال لأهله : لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد وكان بقي لإتمامه سنة ، ثم قال : اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء وأنهم يعلمون ما في غد ، ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيه فمات ، ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء بيت المقدس . قال أبو جعفر النحاس : وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية . وحكي أن سليمان عليه السّلام ابتدأ بناء بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه وكان عمره سبعا وستين سنة ، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة وكان ملكه خمسين سنة وقرب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة ، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه بنائه عيدا وقام على الصخرة رافعا يديه إلى اللّه تعالى بالدعاء ، وقال : اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني على بناء هذا المسجد ، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت عليّ وتوفني على ملتك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال : لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه ، ولا خائف إلا أمنته ، ولا سقيم إلا شفيته . ولا فقير إلا أغنيته ، والخامس أن لا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه إلا من أراد إلحادا أو ظلما يا رب العالمين ذكره الماوردي . قلت : وهذا أصح مما تقدم من أنه لم يتم بناؤه إلا بعد موته بسنة ، والدليل على صحة هذا ما أخرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح ، عن عبد اللّه بن عمرو ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل اللّه تعالى خلالا ثلاثا حكما يصادف حكمه فأوتيه ، وسأل اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل اللّه حين فرغ من بنائه أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه » . فهذا وما قبله صريح أنه أكمل بناءه في حال حياته واللّه أعلم اه . قوله : ( حتى أكلت الأرضة عصاه ) فلما أكلتها شكرتها الجن وأحبوها فهم يأتونها بالماء والطين في خروق الخشب اه خازن . وفي القرطبي : وفي الخبر أن الجن شكرت ذلك للأرضة فأينما كانت يأتونها بالماء قال السدي : والطين ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشبة فإنه مما تأتيها به الشياطين شكرا وقالوا لها : لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما اه . قوله : ( بالبناء للمفعول ) يتأمل ما وجه اعتباره لهذا المصدر من المبني للمفعول مع أن الدابة مضافة إليه . والظاهر من إضافتها إليه أن يكون المراد به المعنى الذي يقوم بها وهو مصدر المبني