رؤيته
أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
( 20 ) فلم أره لغيبته ، فلما تحققها قال
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً
تعذيبا
شرح
قال : مقدار ألف سنة ، فليبلغ الشاهد الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل . قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى ، فلما نزل قال الهدهد : قد اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء ينظر إلى طول الدنيا وعرضها ففعل ذلك . فبينما هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر وكان اسم هدهد سليمان يعفور وهدهد اليمن عفير ، فقال عفير ليعفور : من أين أقبلت ؟ من الشأم مع صاحبي سليمان بن داود . قال : ومن سليمان ؟
قال : ملك الانس والجن والشياطين والطير والوحش والرياح فمن أنت ؟ قال : عفير أنا من هذه البلاد .
قال : ومن ملكها ؟ قال : امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبك ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه ، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل على كورة مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل ، ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها ، ولها اثنا عشر قائدا مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل ، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ؟ قال : أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء . قال الهدهد اليماني : إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة . قال : فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء فسأل عن الماء الجن والإنس فلم يعلموا ، فتفقد الهدهد فلم يره فدعا بعريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال : أصلح اللّه الملك ما أدري أين هو ، وما أرسلته إلى مكان . فغضب سليمان وقال :لَأُعَذِّبَنَّهُالآية ، ثم دعا العقاب وهو أشد الطير طيرانا فقال له : عليّ بالهدهد الساعة فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب يريده ، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال : بحق الذي قواك وأقدرك علي إما ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء ، فتركه العقاب وقال : ويلك ثكلتك أمك إن نبي اللّه قد حلف أن يعذبك أو يذبحك ، فسارا متوجهين نحو سليمان عليه الصلاة والسّلام فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير وقالا له : ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي اللّه وأخبره بما قال سليمان ، فقال الهدهد : أو ما استثنى نبي اللّه فقالوا : بلى ، إنه قال : أو ليأتيني بسلطان مبين فقال : نجوت إذن وكانت غيبته من الزوال ولم يرجع إلا بعد العصر ، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب : قد أتيتك به يا نبي اللّه ، فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له : أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا ، فقال : يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز وجل ، فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسّلام ذلك ارتعد وعفا عنه ثم سأله : ما الذي أبطأك عني ؟
فقال الهدهد : أحطت بما لم تحط به الخ اه خازن .
قوله :لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداًالخ الحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث فكلمة أو بين الأولين للتخيير ، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما . قال الزمخشري : فإن قلت : قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعليه لا كلام فيه ، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد ، ومن أين درى أنه يأتي بسلطان حتى يقول أو ليأتيني بسلطان مبين ؟ قلت : لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو