أو سبع عشرة سنة وكانت مدة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة وحضره الموت فوصى يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال
* رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي
متولي مصالحي
فِي الدُّنْيا
شرح
يعني أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها ولنفوذ مشيئته ، فإذا أراد شيئا سهل أسبابه أطلق عليه اللطيف ، لأن ما يلطف يسهل نفوذه اه شهاب .
قوله : ( وكانت مدة فراقه الخ ) عبارة الخازن : واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها ، فقال سلمان الفارسي ، وعبد اللّه بن شداد بن الهاد : أربعون سنة . وقال أبو صالح ، عن ابن عباس : اثنان وعشرون سنة . وقال سعيد بن جبير ، وعكرمة ، والسدي : ست وثلاثون سنة . وقال قتادة : خمس وثلاثون سنة .
وقال عبد اللّه بن سودون : سبعون سنة . وقال الفضيل بن عياض : ثمانون سنة . حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي ، وزاد غيره عن الحسن أن يوسف كان عمره حين ألقي في الجب سبع عشرة سنة ، وأقام في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه مدة ثلاث وعشرين سنة ، وتوفاه اللّه وهو ابن مائة وعشرين سنة اه .
قوله : ( سنة ) راجع للثلاثة قبله . قوله : ( فوصى يوسف أن يحمله الخ ) عبارة الخازن : فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند قبر أبيه إسحاق في الأرض المقدسة بالشام ، فلما مات يعقوب عليه الصلاة والسّلام بمصر فعل يوسف ما أمر به أبوه ، فحمل جسده في تابوت من ساج حتى قدم به الشام ، فوافق ذلك موت عيصو أخي يعقوب ، وكانا قد ولدا في بطن واحد ، فدفنا في قبر واحد ، وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة ، فلما دفن يوسف أباه رجع إلى مصر . قالوا : فلما جمع اللّه شمل يوسف عليه الصلاة والسّلام بأبيه وإخوته ، وعلم أن نعيم الدنيا زائل سريع الفناء لا يدوم سأل اللّه حسن العاقبة والخاتمة الصالحة ، فقال :رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِيالخ اه .
قوله : ( عند أبيه ) أي إسحاق . وقوله : ( فمضى بنفسه ) أي زيادة في الامتثال . قوله : ( ولما تم أمره ) أي ملكه . وقوله : ( وعلم أنه ) أي أمره الذي هو ملكه ، وقوله : ( إلى الملك الدائم ) وهو نعيم الآخرة . وقوله : ( فقال ) أي في طلب الملك الدائم ، فطلب ما يوصل له وهو الموت على الإسلام ، فالطلب حاصل بقوله :تَوَفَّنِيالخ ، وأما ما قبله فهو تقديم ثناء على اللّه على الدعاء على ما هو الأدب في الدعاء أن يقدم الداعي على دعائه ثناء على اللّه تعالى اعترافا بنعمه عليه ، ثم يسأل مطلوبه اه شيخنا .
قوله :مِنَ الْمُلْكِأي بعضه من للتبعيض ، والمراد بذلك البعض ملك مصر إذ لم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة : اثنان مسلمان إسكندر وسليمان بن داود ، واثنان كافران بختنصر وشداد بن عاد . وكذا هي للتبعيض في قولهمِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ .وفي السمين : ومن في من الملك وفي من تأويل للتبعيض ، والمفعول محذوف أي شيئا عظيما من الملك ، فهي صفة لذلك المحذوف ، وقيل :
زائدة ، وقيل لبيان الجنس ، وفاطر يجوز أن يكون نعتا لرب ، ويجوز أن يكون بدلا أو بيانا أو منصوبا باضمار أعني أو نداء ثانيا اه .