تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
شرح
فناموا وأنا أحرسكم فتبعهم ، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد ، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سرا ويتجسس لهم الخبر ، فلبثوا بذلك الغار ما شاء اللّه . ثم رجع الملك دقيانوس من سفره إلى المدينة ، وكان تمليخا يومئذ بالمدينة يشتري لهم طعاما ، فجاء وأخبرهم برجوع الملك وأنه يفتش عليهم ، ففزعوا وشرعوا يذكرون اللّه عز وجل ويتضرعون إليه في دفع شره عنهم وذلك عند غروب الشمس ، فقال لهم تمليخا : يا أخوتاه كلوا وتوكلوا على ربكم ، فأكلوا وجلسوا يتحدثون ويتواصون ، فبينما هم كذلك إذ ألقى اللّه عليهم النوم في الكهف وألقاه أيضا على كلبهم وهو على باب الكهف ، ففتش عليهم الملك فدلّ عليهم فتحير فيما يصنع بهم ، فألقى اللّه في قلبه أن يسد عليهم باب الغار ، وأراد اللّه عز وجل أن يكرمهم بذلك ، ويجعلهم آية للناس ، وأن يبين لهم أن الساعة آتية ، وأنه قادر على بعث العباد من بعد الموت فأمر الملك بسده وقال : دعوهم في كهفهم يموتوا جوعا وعطشا ، ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم ، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم ، وقد توفى اللّه أرواحهم وفاة نوم ، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية ، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم وممن فروا في لوحين من رصاص ، وجعلاهما في تابوت من نحاس ، وجعلا التابوت في البنيان وقالا : لعل اللّه أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم . ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه ، ومرّ بعده سنون وقرون وتغايرت الملوك . وفي رواية أن اللوح الذي كتب فيه وضع ودس في خزانة الملك ، ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيدروس ، اختلف الناس عليه فمنهم المؤمن بالساعة ، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه حيث كان يسمعهم يقولون : لا حياة إلا حياة الدنيا ، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد . فجعل يتضرع ويقول : رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث ، فأراد اللّه أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور . فألقى اللّه في قلب رجل من أهل تلك الناحية أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف ويبني بحجارته حظيرة لغنمه ، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه ، فلما انفتح باب الكهف بعث اللّه هؤلاء الفتية فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم ، وقد حفظ اللّه عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم فلم يتغير منها شيء ، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا كهيئتهم وقت أن رقدوا ، ثم أرسلوا تمليخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام ، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها ، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن ، فأخبر تمليخا بقصته وقصة أصحابه . فقال بعض الحاضرين : يا قوم لعل هذه آية من آيات اللّه جعلها اللّه لكم على يد هذا الفتى ، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه . فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم ، فأول من دخل عليهم هذان العظيمان الكبيران ، فوجدا في أثر البناء تابوتا من نحاس ففتحاه فوجدا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما قصتهم ، فلما قرأوه عجبوا وحمدوا اللّه الذي أراهم آية تدلهم على البعث ، ثم أرسلوا قاصدا إلى ملكهم