عجائب قدرتنا
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 1 ) أي العالم بأقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأفعاله فأنعم عليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى
شرح
وعبارة الخازن : الذي باركنا حوله يعني بالأنهار والأشجار والثمار ، وقيل : سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإليه يحشر الخلق يوم القيامة انتهى .
قوله :لِنُرِيَهُمتعلق بأسرى وقوله :مِنْ آياتِنامن للتبعيض ، وإنما أتى بها تعظيما لآيات اللّه تعالى ، فإن الذي رآه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان جليلا عظيما فهو بعض بالنسبة إلى آيات اللّه تعالى ، وعجائب قدرته وجليل حكمته ، قاله أبو شامة اه كرخي .
فإن قلت : لفظة من في قوله :مِنْ آياتِناتقتضي التبعيض ، وقال تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسّلام :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الأنعام : 75 ] وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام على محمد ولا قائل به فما وجهه ؟ قلت : ملكوت السماوات والأرض من بعض آيات اللّه تعالى أيضا ، وآيات اللّه أعظم من ذلك وأكبر ، والذي أراه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السماوات والأرض ، فظهر بهذا البيان فضل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم اه شيخنا .
وقرأ العامة لنريه بنور العظمة جريا على باركنا ، وفيهما التفات من الغيبة في قوله :الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِإلى التكلم في باركنا ولنريه ، ثم التفت إلى الغيبة في قوله :إِنَّهُ هُوَإن أعدنا الضمير على اللّه تعالى وهو الصحيح ، ففي الكلام والتفاتان . وقرأ الحسن ليريه بالياء من تحت أي اللّه تعالى ، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات ، وذلك أنه التفت أولا من الغيبة في قولهالَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِإلى التكلم في قوله :بارَكْنا ،ثم التفت ثانيا من التكلم في باركنا إلى الغيبة في ليريه على هذه القراءة ، ثم التفت ثالثا من هذه الغيبة إلى التكلم في آياتنا ، ثم التفت رابعا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله :إِنَّهُ هُوَعلى الصحيح في الضمير إنه للّه تعالى . وأما على قول نقله أبو البقاء أن الضمير في إنه هو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يجيء ذلك ، ويكون في قراءة العامة التفات واحد ، وفي قراءة الحسن ثلاثة وهذا موضع غريب ، وأكثر ما ورد الالفتات ثلاث مرات على ما قال الزمخشري في قول امرئ القيس :تطاول ليلك بالأثمدالأبيات .
وقد تقدم النزاع معه في ذلك وبعض ما يجاب به أول الفاتحة ، ولو ادعى مدع أن فيها خمسة التفاتات لاحتاج في دفعه إلى دليل واضح والخامس الالتفات من قولهإِنَّهُ هُوَإلى التكلم في قوله :وَآتَيْنا مُوسَى[ الإسراء : 2 ] الآية والرؤية هنا بصرية . وقيل : قلبية ، وإليه نحا ابن عطية اه سمين .
قوله : ( أي العالم الخ ) فسر هاتين الصفتين بالعلم وهو غير ظاهر ، وأبقاهما غيره على ظاهر كالبيضاوي ، فقال :إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُلأقوال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، العليم بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك اه .
قوله : ( على اجتماعه بالأنبياء ) أي الرسل وغيرهم أي : بأجسادهم وأرواحهم معا على الصحيح