هذا الدليل
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
( 1 ) يسوون غيره في العبادة
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
بخلق أبيكم آدم منه
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
لكم تموتون عند انتهائه
وَأَجَلٌ مُسَمًّى
مضروب
عِنْدَهُ
لبعثكم
ثُمَّ
شرح
وهو النار ، ولا ترد الأجرام النيرة كالكواكب لأن مرجع كل نير إلى النار ، على ما قيل : إن الكواكب أجرام نورية نارية ، وأن الشهب تنفصل من نار الكواكب فصح أن النور من جنس النار اه .
قوله :ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواثم هذه ليست للترتيب الزماني ، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين ، والمراد استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات ، وهذه عطف إما على قوله الحمد للّه ، وإما على قوله خلق السماوات . قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى ثم قلت استبعاد أن يعدلوا به مع وضوح آيات قدرته وكذلك ثم أنتم تمترون استبعاد أن يمتروا بعد ما ثبت أنه يحييهم ويميتهم ويبعثهم اه سمين .
قوله :بِرَبِّهِمْيجوز أن يتعلق بكفروا ، فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ولا مفعول له حينئذ ، ويجوز أن يتعلق بيعدلون وقدم للفاصلة ، وفي الباء حينئذ احتمالان ، أحدهما : أن تكون بمعنى عن ويعدلون من العدول أيضا ، أي يعدلون عن ربهم إلى غيره . والثاني : أنها للتعدية ، ويعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين ، أي ثم الذين كفروا يسوون بربهم غيره من المخلوقين فيكون المفعول محذوفا اه سمين .
قوله :هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍأي من جميع أنواعه . فلذلك اختلفت ألوان بني آدم وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح والمر ، فلذلك اختلفت أخلاقهم اه خازن .
قوله : ( بخلق أبيكم آدم منه ) أشار إلى قول الأكثر أن في الكلام حذف مضاف وهو ما قدره ، ومن لابتداء الغاية لأنه أخذ ترابه من وجه الأرض أحمرها وأبيضها وغيرهما ، فاختلفت أخلاقهم ، ثم صور منه آدم ثم نفخ فيه الروح ، وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السّلام وهو المخلوق منه حقيقة لتوضيح منهاج القياس والمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس ، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السّلام منه ، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد بشر الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل ، فكان خلقه عليه السّلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه . وذهب المهدوي وغيره إلى أنه لا حذف ، وأن الإنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر : « ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من تراب حفرته » ، أو لأن النطفة من الغذاء وهو من الطين ، وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر ودلائل صحة البعث ، مع أن ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها كما ورد في قوله تعالى :أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ[ يس : 81 ] الآية . لما أن محل النزاع بعثهم ، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر وهم بشؤون أنفسهم أعرف وبالتعامي عن الحجة النيرة أقبح اه كرخي .
قوله :ثُمَّ قَضى أَجَلًاأي كتبه وقدره . والأجل الأول من وقت الولادة إلى وقت الموت .
والأجل الثاني من وقت الموت إلى وقت البعث وهو مدة البرزخ ، فلكل أحد أجلان أجل إلى الموت