تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
ما تسرون وما تجهرون به بينكم
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ
( 3 ) تعملون من خير وشر
وَما تَأْتِيهِمْ
أي
شرح
لما تضمنه من معنى العبادة كأنه قيل : وهو المعبود في السماوات ، وهو قول الزجاج وابن عطية والزمخشري قال الزمخشري : في السماوات متعلق بمعنى اسم اللّه كأنه قيل : وهو المعبود فيها ومنه وهو الذي في السماء إله . وقال الزجاج : هو متعلق بما تضمنه اسم اللّه من المعاني كقولك : يا أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب . قال ابن عطية : هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى ، وإيضاحه : أنه أراد أن يدل على خلقه وآيات قدرته وإحاطته واستيلائه ، ونحو هذه الصفات ، فجمع هذا كلها في قوله وهو اللّه الذي له هذه كلها في السماوات وفي الأرض ، كأنه قال : وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت في السماوات وفي الأرض ، كما تقول : زيد السلطان في الشام والعراق ، فلو قصدت ذات زيد لكن محالا ، فإذا كان مقصد قولك الآمر الناهي الذي يولي ويعزل كان نطقا صحيحا فأقمت السلطنة مقام هذه الصفات ، كذلك في الآية الكريمة أقمت اللّه مقام تلك الصفات . قال الشيخ : ما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى ، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه لأنهما زعما أن في السماوات متعلق باسم اللّه لما تضمنه من تلك المعاني ، ولو صرح بتلك المعاني لم يعمل جميعها بل العمل من حيث اللفظ الواحد منها ، وإن كان في السماوات متعلقا بجميعها من حيث المعنى ، بل الأولى أن يتعلق بلفظ اللّه لما تضمنه من معنى الألوهية وإن كان علما ، لأن العمل يعمل في الظرف لما تضمنه من المعنى . الوجه الثاني : أن في السماوات متعلق بمحذوف هو صفة للّه تعالى ، حذفت لفهم المعنى فقدره بعضهم وهو اللّه المعبود وبعضهم وهو اللّه المدبر ، وحذف الصفة قليل جدا . الوجه الثالث : قال النحاس : وهو أحسن ما قيل فهي إن الكلام تم عند قوله وهو اللّه ، والمجرور متعلق بمفعول يعلم وهو سركم وجهركم ، أي يعلم سركم وجهركم فيهما ، وهذا ضعيف جدا لما فيه من تقديم معمول المصدر عليه ، وقد عرفت ما فيه . الوجه الرابع : أن الكلام تم أيضا عند الجلالة ويتعلق الظرف بنفس العلم وهذا ظاهر ويعلم على هذين الوجهين مستأنف إلى آخر عبارته اه . قوله :وَجَهْرَكُمْذكره للمقابلة إذ ذكر علمه بالسر مغن عن الجهر ، أي لأنه مفهوم منه بالأولى ، وتعليق علمه عز وجل بما ذكر خاصة مع شموله لجميع ما فيهما حسما تفيده الجملة السابقة لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين اه كرخي . قوله :وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَيعني من خير ومن شر . بقي في الآية سؤال وهو أن الكسب إما أن يكون من أعمال القلوب ، وهو المسمى بالسر ، أو من أعمال الجوارح وهو المسمى بالجهر ، فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر ، فقوله :وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَيقتضي عطف الشيء على نفسه وذلك غير جائز فما معنى ذلك ؟ وأجيب عنه بأنه يجب حمل قوله :وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَعلى ما يستحقه الإنسان على فعله وكسبه من الثواب والعقاب ، والحاصل أنه محمول على المكتسب فهو كما يقال هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ، ولا يجوز على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه . ذكره الإمام فخر الدين اه . خازن . قوله :وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْكلام مستأنف وارد لبيان كفرهم بآيات اللّه تعالى