ينزل على عيسى قال تعالى
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
من القرآن
تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا
صدقنا بنبيّك وكتابك
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( 83 ) المقرين
شرح
مصدقا ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرا وأسلمت للّه رب العالمين وقد بعثت إليك ابني أزهى ، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسّلام عليك يا رسول اللّه . فركبوا في سفينة أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ، ووافى جعفر وأصحابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بخيبر ، ووافى مع جعفر سبعون رجلا عليهم الثياب الصوف منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة ، وثمانية من الشام ، فقرأ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة يس إلى آخرها ، فبكى القوم حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السّلام ، فأنزل اللّه هذه الآية فيهم ، وهي قوله تعالى :وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارىيعني وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر ، وهم السبعون ، وكانوا من أصحاب الصوامع .
وقيل : نزلت في ثمانين رجلا : أربعين من نصارى نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم . وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء بها عيسى عليه السّلام ، فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آمنوا به وصدقوه ، فأثنى عليهم بقوله :وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَيعني لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق ؛ انتهت مع بعض زيادة للقرطبي .
قوله :وَإِذا سَمِعُواالخ صنيع الشارح يقتضي أنه مستأنف حيث قال : ( قال تعالى ) : ولذلك جعله بعضهم أو الربع . وقال أبو السعود إنه عطف على يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون ، وأن أعينهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن . شيخنا .
والظاهر أن الضمير في سمعوا يعود على النصارى المتقدمين بعمومهم ، وقيل : إنما يعود لبعضهم وهو من جاء من الحبشة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عطية : لأن كل النصارى ليسوا كذلك اه سمين .
وفي الخازن : قال ابن عباس : يريد النجاشي وأصحابه لما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم قال : فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة : قوله :تَفِيضُأي تمتلئ بالدمع فتفيض أي تصب اه أبو السعود .
وفي السمين : فإن قلت : ما معنى تفيض من الدمع ؟ قلت : معناه تمتلئ حتى تفيض ، لأن الفيض ألّا يمتلئ الإناء حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي ينشأ من الامتلاء موضع الامتلاء ، وهو من إقامة مقام السبب أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء ، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك : دمعت عينه دمعا ، ومن الدمع متعلق بتفيض ، ويكون معنى من ابتداء الغاية ، والمعنى تفيض من كثرة الدمع اه .
قوله :مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّمن الأولى لابتداء الغاية ، وهي متعلقة بتفيض ، والثانية يحتمل أن تكون لبيان الجنس ، أي بينت جنس الموصول قبلها ، ويحتمل أن تكون للتبعيض . وقد أوضح أبو القاسم هذا غاية الإيضاح ، قال رحمه اللّه : فإن قلت أي فرق بين من ومن في قوله مما عرفوا من الحق ؟