تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
شرح
وتدارك ما يمكن تداركه فلم يندم ندم التائبين اه كرخي . قوله :مِنْ أَجْلِ ذلِكَيعني بسبب ذلك القتل الذي حصل كتبنا أي فرضنا ، وأوجبنا على بني إسرائيل . فإن قلت من أجل ذلك : معناه من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل ، وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل ، وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . قلت : قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله ، والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك يعني من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره . ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ، ويجعله من تمام الكلام الأول ، فعلى هذا يزول الإشكال ، لكن جمهور المفسرين ، وأصحاب المعاني على أن قوله من أجل ذلك ابتداء كلام متعلق بكتبنا ، فلا يوقف عليه ، فعلى هذا قال بعضهم إن قوله من أجل ذلك ، ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب هذا القتل الحرام ، منها قوله تعالى :فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَوفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا والآخرة ، ومنها قوله :فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَوفيه إشارة إلى أنه في أنواع من الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك البتة . فقوله :مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَأي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل . فإن قلت : فعلى هذا تكون مشروعية القصاص حكما ثابتا في جميع الأمم ، فما الفائدة في التخصيص ببني إسرائيل ؟ قلت : إن وجوب القصاص وإن كان عاما في جميع الأديان والملل ، إلّا أنه تعالى حكم في هذه الآية بأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ، ولا يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب قاتل النفس عدوانا ، وأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل ، وذلك يدل على قساوة قلوبهم وبعدهم عن اللّه عز وجل ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصة تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما أقدم عليه اليهود من الفتك بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبأصحابه ، فتخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب للكلام وتوكيد للمقصود واللّه أعلم اه خازن . وفي القرطبي : وخص بني إسرائيل بالذكر ، وقد تقدم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا ، لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، فغلظ الامر على بني إسرائيل في الكتاب بسبب طغيانهم وسفكهم الدماء اه . وفي السيد على الكشاف : وخص بني إسرائيل مع أن الحكم عام لكثرة القتل فيهم ، حتى أنهم تجرؤوا على قتل الأنبياء اه . والأجل في الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه استعمل في كل تعليل الجنايات كما في قولهم من جراك فعلته أي من أن جررته أي جنيته ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل ، وقرىء من أجل بكسر الهمزة وهي لغة فيه . وقرىء من اجل بحذف الهمزة والقاء فتحتها على النون ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله : كتبنا على بني إسرائيل وتقديمها عليه للقصر . أي من ذلك ابتداء الكتب ، ومنه نشأ لا من شيء آخر اه أبو السعود .
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 214 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي