في التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه
لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي
يستر
سَوْأَةَ
جيفة
أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ
عن
أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
( 31 ) على حمله وحفر له وواراه
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ
الذي فعله قابيل
كَتَبْنا عَلى بَنِي
شرح
عليه حظيرة من نار في الصيف ، وحظيرة من ثلج في الشتاء ، فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة ، قالوا :
واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من الطبول والزمور والعيدان والطنابير ، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والفواحش ، حتى أغرقهم اللّه تعالى جميعا بالطوفان في زمن نوح عليه السّلام ، فلم يبق من ذرية قابيل أحد وللّه الحمد ، وأبقي اللّه ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة اه خازن .
قوله : ( ينبش في التراب ) في المصباح نبشه نبشا من باب قتل استخرجه من الأرض ، ونبشت الأرض نبشا كشفتها ، ومنه نبش الرجل القبر والفاعل نباش للمبالغة ، ونبشت السر أفشيته اه .
قوله : ( ويثيره على غراب ) أي بعد أن نبش الحفيرة ووضعه فيها اه .
قوله : ( ليريه ) إما متعلق ببعث فالضمير المستتر في الفعل للّه أو يبحث فهو للغراب ، ويرى من أرى التي بمعنى عرف المتعدية لمفعول فتتعدى بالهمزة لاثنين الأول الضمير البارز ، والثاني جملة كيف الخ . وكيف في محل نصب على الحال معمول ليواري اه شيخنا .
وفي السمين ، قوله :لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِيهذه اللام يجوز فيها وجهان ، أحدهما : أنها متعلقة ببحث أي ينبش ويثير التراب للإرادة . الثاني : أنها متعلقة ببعث وكيف معمول ليواري ، وجملة الاستفهام معلقة للرؤية البصرية ، فهي في محل المفعول الثاني سادة مسده ، لأن رأى البصرية قبل تعديتها بالهمزة متعدية لواحد ، فاكتسبت بالهمزة آخر ، وتقدم نظيرتها في قوله :أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى[ البقرة : 260 ] اه .
قوله : ( جيفة )أَخِيهِيشير بهذا إلى أن المراد بسوأة أخيه جسده ، فإنه مما يستقبح بعد موته ، وخصت السوأة بالذكر للاهتمام بها ، ولأن سترها آكد اه كرخي .
قوله :يا وَيْلَتىهي كلمة جزع وتحسر والألف بدل من ياء المتكلم ، والمعنى يا ويلتي احضري ، فهذا أوانك ، والويل والويلة الهلكة اه أبو السعود .
قوله :يا وَيْلَتىأي يا هلاكي ، تعال فهو اعتراف على نفسه باستحقاق العقاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، كأن الويل غير حاضر عنده ، فناداه ليحضر أي أيها الويل احضر ، فهذا أوان حضورك ، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل ، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا اه .
قوله :أَ عَجَزْتُتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب اه أبو السعود .
قوله :مِنَ النَّادِمِينَ( على حمله ) أو على عدم اهتدائه للدفن الذي تعلمه من الغراب ، أو على فقد أخيه واسود جسده وتبرأ منه أبواه ، فلا يقال هذا يقتضي أن قابيل كان تائبا . والندم توبة لخبر « الندم توبة » فلا يستحق النار لأن مجرد الندم ليس بتوبة ، لأن التوبة إنما تتحقق بالإقلاع ، وعزم أن لا يعود