إلا مسّه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها » رواه الشيخان
فَتَقَبَّلَها رَبُّها
أي قبل مريم من أمها
بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أمها لأحبار سدنة بيت المقدس فقالت دونكم هذه النذيرة فتنافسوا
شرح
معطوف على ما قبله الواقع في حيز لما وضعتها ، فيقتضي أن طلب هذه الإعاذة إنما وقع بعد الوضع فلا يترتب عليه حفظ مريم من طعن الشيطان وقت نزولها وخروجها من بطن أمها ، فلا يتلاقى الحديث مع الآية ، بل مقتضى ظاهر الآية إن إعاذتها من الشيطان الرجيم إنما كان بعد وضعها وهذا لا ينافي تسلط الشيطان عليها بطعنها وتحسسها وقت ولادتها الذي هو عادته ، فإن عادته طعن المولود وقت خروجه من بطن أمّه ، تأمل قوله : ( فيستهل ) بالرفع صارخا حال أو مفعول مطلق ، وعلى كل فهو ملاق لعامله في المعنى ، فإن الاستهلال رفع الصوت وهو الصراخ اه .
قوله : ( أي قبل مريم ) أي فصيغة التفعل ليست للتكلف كما هو أصلها ، بل بمعنى أصل الفعل كتعجب بمعنى عجب ، وتبرأ بمعنى برئ اه شيخنا .
وعبارة السمين : والمزيد بمعنى المجرد أي فقبلها بمعنى رضيها مكان الذكر المنذور ، ولم يقبل أنثى منذورة قبل مريم ، كذا جاء في التفسير ، وتفعل يأتي بمعنى مجردا نحو تعجب وعجب من كذا وتبرأ وبرئ منه اه .
قوله :بِقَبُولٍ حَسَنٍوهو إقامتها مقام الذكر في السدانة اه كرخي .
وفي الباء وجهان ، أحدهما : أنها زائدة أي قبولا حسنا ، وعلى هذا فينتصب قبولا على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد إذ لو جاء على تقبل لقيل تقبلا .
الوجه الثاني : أن الباء ليست زائدة ، بل هي على حالها ، ويكون المراد بالقبول هنا ما تقبل به الشيء نحو اللدود لما يلد به ، والسعوط لما يسعط به اه سمين .
وفي البيضاوي : بقبول حسن أي بوجه حسن تقبل به النذائر وهو إقامتها مقام الذكر أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة اه .
وقوله : بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء ، فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بأن يقال :
فتقبلها قبولا ، ولذا جعل بعضهم الباء زائدة ، فبين أن فعولا يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط لما يسعط به ، فليس مصدراهنا حتى يدعى زيادة الباء ، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة اه شهاب .
قوله :وَأَنْبَتَهامجاز عن تربتها بما يصلحها في جميع أحوالها اه أبو السعود .
قوله : ( أنشأها بخلق حسن ) أي : ومعرفة تامة باللّه تعالى ، وهذا مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها أي بطريق ذكر الملزوم ، وإرادة اللازم ، أو بطريق الاستعارة . إذ الزارع لم يزل يتعهد زرعه بسقيه وإزالة الآفات عنه اه كرخي .
قوله : ( كما ينبت المولود في العام ) لعل هذا على سبيل المبالغة إذ يبعد حمله على حقيقته كل البعد كما لا يخفى اه .