النون من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها
أَوْ نُنْسِها
نؤخرها فلا نزل حكمها ونرفع تلاوتها
شرح
وفي أبي السعود ما نصه : وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه أثر تحقيق حقية الوحي ، ورد كلام الكارهين له رأسا ، والنسخ في اللغة الإزالة والنقل . يقال : نسخت الريح الأثر أي أزالته ، ونسخت الكتاب أي نقلته ، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعا ، وإنساؤها إذهابها من القلوب ، والمعنى أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل نأت بخير منها أي نوح إليك غيرها هي خير للعباد بحسب الحال في النفع والثواب من الذاهبة اه . وما مفعول مقدم على ننسخ وهي شرطية جازمة له ، والتقدير أي شيء ننسخ مثل قولهأَيًّا ما تَدْعُوا[ الإسراء : 110 ] وقولهمِنْ آيَةٍمن للتبعيض فهي متعلقة بمحذوف لأنها صفة لاسم الشرط ويضعف جعلها حالا . والمعنى أي شيء ننسخ من الآيات ، فإنه مفرد وقع موقع الجمع ، وعلى هذا يخرج كل ما جاء من هذا التركيب كقوله :ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ[ فاطر : 2 ]وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[ النحل : 53 ] وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط وذلك أن فيه إبهاما من جهة عمومه اه سمين .
قوله : ( إما مع لفظها ) كنسخ عشر رضعات معلومات يحرمن ، وقوله : أو لا كنسخ آية العدة المقدرة بالحول ، وبقي نسخ التلاوة دون الحكم ، وسيذكره في قوله أو ننسأها اه شيخنا .
وفي الخازن ما نصه : ثم النسخ الواقع في القرآن على ثلاثة وجوه ، أحدها : ما رفع حكمه وتلاوته ، كما روي عن أبي أمامة بن سهل أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة ، فلم يدركوا فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فعدوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : تلك السورة رفعت بتلاوتها وحكمها . أخرجه البغوي ، وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة فرفع بعضها تلاوة وحكما . الوجه الثاني : ما رفع تلاوته وبقي حكمه مثل آية الرجم . وروي عن ابن عباس قال : قال عمر ابن الخطاب وهو جالس على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ، ورجم رسول اللّه ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب اللّه تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه تعالى ، وإن الرجم في كتاب اللّه تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة ، أو كان الحمل أو الاعتراف . أخرجه مسلم وللبخاري نحوه . الوجه الثالث : ما رفع حكمه وثبت خطه وتلاوته ، وهو كثير في القرآن مثل آية الوصية للأقربين نسخت بآية الميراث عند الشافعي ، وبالسّنة عند غيره ، وآية عدة الوفاء بالحول بآية أربعة عشر ، وآية القتال وهي قوله :إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[ الأنفال : 65 ] الآية نسخت بقوله تعالى :الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً[ الأنفال : 66 ] الآية ومثل هذا كثير في القرآن ا ه .
قوله : ( بضم النون ) أي من الرباعي المتعدي بالهمزة إلى اثنين فتقدير ماضيه أنسخ اللّه جبريل أو النبي الآية . أي أمره بنسخها أي بالإعلام بنسخها ، فقوله : ( نأمرك الخ ) للكاف ومعطوفها المفعول