وعبارة « عز الدين بن عبد السّلام » : في كلّ جسد روحان ؛ إحداهما : روح اليقظة ، التي أجرى اللّه العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظا ، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ، ورأت تلك الرّوح المنامات ، والأخرى :
روح الحياة ، التي أجرى اللّه العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيّا ؛ فإذا فارقته مات ، فإذا رجعت إليه حيى ، وهاتان الرّوحان في بطن الإنسان ، لا يعلم مقرّهما إلا من أطلعه اللّه عليهما ، فهما كجنينين في بطن امرأة . ه .
والآية منبهة على كمال قدرته ، وفيها دلالة على البعث ، وأنه كاليقظة سواء ، وهذا معنى قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
في عجائب قدرته ، فيعلمون أن من قدر على إمساك الأرواح في النّوم ، وردها ، قادر على إماتتها وإحيائها . وفي التوراة : كما تنام تموت ، وكما تستيقظ تبعث .
الإشارة : اللّه يتوفى الأنفس المطهرة إلى حضرة قدسه ، حين موتها من الهوى ، ويقبض الأنفس التي لم تمت من حظوظها في سجن الأكوان ، وهيكل ذاتها ، في حال منام غفلتها ، فيمسك التي قضى عليها الموت في حضرة قدسه ، فلا يردها إلى شهود حضرة الأشباح ، ويرسل الأخرى تجول في حضرة الأشباح وأودية الدنيا ، إلى أجل مسمّى ، إما موتها الحسى أو المعنوي ، إن سبقت لها سابقة عناية .
ثم تمم الرّد على من اعتقد أن الأصنام تنفع أو تضر ، فقال :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 43 إلى 44 ]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 )
يقول الحق جل جلاله :
أَمِ اتَّخَذُوا
أي : قريش
مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ
، فيزعمون أن أصنامهم تشفع لهم عند اللّه ، أي : إنهم اتخذوا - على زعمهم - من دون اللّه شفعاء بحكمهم ، لا بتعريف من قبل اللّه وإخبار ، فإن اللّه لا يقبل الشفاعة من أحد إلا بإذن منه ، وإن الذين يقولون ذلك افتراء على اللّه .
قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ
، الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه ، والتوبيخ عليه ، أي : قل : أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء ولا يعقلون شيئا ، فضلا عن أن يملكوا الشفاعة عند اللّه تعالى .