تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وثانيها : بحيث يقطع عن الظاهر والباطن ، وهو الموت . وثالثها : بحيث يقطع عن ظاهر البدن دون الباطن ، وهو النّوم ، فثبت أن النّوم والموت يشتركان في كلّ واحد منهما بتوفى النّفس ، ثم يمتاز أحدهما بخواص معينة . ومثل هذا التقدير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم . ه . وقال سهل : إن اللّه إذا توفى الأنفس أخرج الرّوح النّورى من لطيف نفس الطبيعي الكثيفى ، فالذي يتوفى في النوم من لطيف نفس الطبع ، لا لطيف نفس الرّوح . فالنائم يتنفس تنفسا لطيفا ، وهو نفس الرّوح ، الذي إذا زال لم يكن للعبد حركة ، وكان ميتا . وقال : حياة النّفس الطبيعي بنور لطيف ، وحياة لطيف نفس الرّوح بذكر اللّه . وقال أيضا : الروح تقوم بلطيفة في ذاتها بغير نفس الطبع ، ألا ترى أن اللّه تعالى خاطب الكلّ في الذر بنفس ، وروح ، وفهم ، وعقل ، وعلم لطيف ، بلا حضور طبع كثيف . ه . قلت : وبهذا الاعتبار يقع لها العذاب في البرزخ أو النّعيم ، وتذهب وتجىء في عالم البرزخ . وقال في القصد : النفس مع الرّوح كالجسد مع الظل ، والظل يميل ، والأصل لا يميل ، والرّوح سره ، والسر بربه ، وهو شعاع الحقيقة الصغرى ، والسر نور السر الأعلى ، وكلّ هذا مخلوق بقدرة اللّه موثوق ، فلا يستفزك غير هذا فتشقى ، وفي جهنم من نور البعد تلقى . ه . قلت : السر الأعلى هو معاني أسرار الذات القائمة بالأشياء ، وهو قديم غير مخلوق . وذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال : في ابن آدم نفس وروح ، بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز ، والرّوح التي بها التحرك والنّفس ؛ فإذا نام العبد قبض اللّه نفسه ولم يقبض روحه . ه . هذا ، وفي الصحيح : إن اللّه قبض أرواحنا حيث شاء ، وردها حيث شاء . فأطلق القبض على الأرواح . والصواب : أن النّفس والرّوح في هذا واحد ؛ بدليل قوله :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ
والحاصل : أن الموت : توف كامل ، بإخراج الرّوح مع شعاعها من البدن ، فتذهب الحياة ، والنّوم : توف ناقص ، بإخراج الرّوح مع بقاء شعاعها في البدن ، به الحياة والتنفّس . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه أيضا أنه قال : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقى في المنام ، ويتعارف ما شاء اللّه منها ، فإذا أراد اللّه رجوعها إلى الأجسام ، يمسك اللّه عنده أرواح الأموات ، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ، فذلك قوله عز وجل :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
. . الآية « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر تفسير النّسفى ( 2 / 183 ) .