تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
يقول الحق جل جلاله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
أي : نبيه صلّى اللّه عليه وسلم . نزلت تقوية لقلبه - عليه السّلام ، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه ، أو : جنس العبد ، فيشمل الأنبياء كلهم والمؤمنين ، وينتظم فيه النّبى صلّى اللّه عليه وسلم انتظاما أوليا ، ويؤيده قراءة الأخوين « 1 » بالجمع . وهو إنكار ونفى لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه وآكده ، كأنّ الكفاية بلغت من الظهور ما لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدهما ، أو يتلعثم في الجواب بوجودها ، وإذا علم العبد أن الحق تعالى قائم بكفايته ، سكن قلبه واطمأن ، وأسقط الأحمال والكلف عن ظهره ، فلا جرم أن اللّه يكفيه ما أهمه ، ويؤمّنه مما يخافه ، كما قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
أي : الأوثان التي اتخذوها آلهة دونه تعالى ، وهي جوامد ، لا تضر ولا تنفع ، وهذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عما قالت قريش : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ، وتصيبك معرّتها لعيبك إياها . وفي رواية : قالوا : لتكفنّ عن آلهتنا ، أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون « 2 » ، كما قال قوم هود :
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
« 3 » . وجملة : « ويخوفونك » : استئناف ، أو : حال .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
حتى غفل عن كفايته وعصمته صلّى اللّه عليه وسلم ، أو : اعتقد أن الأصنام تضر وتنفع ؛
فَما لَهُ مِنْ هادٍ
يهديه إلى ما يرشده .
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ
إلى توحيده وطاعته
فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ
يصرفه عن رشده ، أو يصيبه سوء يخل بسلوكه ؛ إذ لا راد لفعله ، ولا معارض لقضائه ، كما ينطق به قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ
: غالب لا يغالب ، منيع لا يمانع ولا ينازع ،
ذِي انْتِقامٍ
من أعدائه لأوليائه ، بإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه . وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام ، وتربية المهابة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا علم العبد أن اللّه كاف جميع عباده ، وثق بضمانه ، فاستراح من تعبه ، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه ، فيدخل جنة الرّضا والتسليم ، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم ، فيكتفى باللّه ، ويقنع بعلم اللّه ، ويثق بضمانه . قال في لطائف المنن : مبنى الولىّ على الاكتفاء باللّه ، والقناعة بعلمه ، والاغتناء بشهوده . قال تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
وقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
« 4 » . ه . وقال الشيخ
هامش
( 1 ) قرأ حمزة والكسائي : ( عباده ) بألف ، على الجمع . وقرأ الباقون : ( عبده ) بغير ألف . انظر الإتحاف ( 2 / 429 ) . ( 2 ) ذكر هذه الرّواية السيوطي في الدر ( 5 / 615 - 616 ) وعزاها لعبد الرّزاق وابن المنذر عن قتادة . وانظر تفسير البغوي ( 7 / 120 ) . ( 3 ) من الآية 54 من سورة هود . ( 4 ) من الآية 53 من سورة فصلت .