تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا ، وهو ما بعد الموت ، فقال :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
، فتجتمعون عندنا ، فنحكم بينكم . وقيل : كانوا يتريصون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم موته ، أي : إنكم جميعا بصدد الموت ،
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
، فتحتج عليهم بأنك بلّغت الرّسالة ، واجتهدت في الدعوة ، فتلزمهم الحجة ؛ لأنهم قد لجوا في العناد ، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم . وقيل : المراد : الاختصام فيما دار بينهم في الدنيا . والأول أنسب . الإشارة : لا يستوى القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص للّه ، القلب المشترك تفرقت همومه ، وتشتت أنواره ، بتشتيت شواغله وعلائقه ، وتفرقت محبته ، بتفرق أهوائه وحظوظه ، والقلب المفرد اجتمعت محبته ؛ وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه . وفي الحكم : « كما لا يحب العمل المشترك ، لا يحب القلب المشترك ، العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشرك لا يقبل عليه » . وقال أيضا : « فرّغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار » . وقيل للجنيد : كيف السبيل إلى الوصول ؟ فقال : بتوبة تزيل الإصرار ، وخوف يقطع التّسويف ، ورجاء يبعث على مسالك العمل ، وبإهانة النّفس ، بقربها من الأجل ، وبعدها من الأمل . قيل له : وبم يتوصل إلى هذا ؟ فقال : بقلب مفرد ، فيه توحيد مجرد . ه . وفي الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من جعل الهموم همّا واحدا - أي : وهو اللّه - كفاه اللّه همّ دنياه ، ومن تشعبت به الهموم لم يبال اللّه به في أىّ أودية الدنيا هلك » « 1 » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من كانت الدنيا همّه فرّق اللّه عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع اللّه عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي صاغرة » « 2 » . ومن كان اللّه همه بفنائه فيه ؛ جمع اللّه عليه سره ، وأغناه به عما سواه ، وخدمه الوجود بأسره ، « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك » « 3 » . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) رواه الحاكم ( 2 / 443 ) « وصحّحه ، ووافقه الذهبي » . والبيهقي في الشعب ( 10340 ) من حديث ابن عمر رضي اللّه عنه . وأخرجه ابن ماجة بسند ضعيف ، في ( المقدمة ، 1 / 95 ، ح 257 ) من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 183 ) وابن ماجة في ( الزهد ، باب الهم بالدنيا ، 2 / 1375 ، ح 4105 ) من حديث زيد بن ثابت رضي اللّه عنه ، وأخرجه ، من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، الترمذي في ( صفة القيامة والرّقائق ، 4 / 554 ، ح 2465 ) . ( 3 ) حكمة عطائية ، انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي / ص 33 حكمة 248 .