تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
سبيل . والمعنى : جعل اللّه مثلا للمشرك حسبما يقوده إليه مذهبه ، من ادعاء كل من معبوديه عبوديته ، عبدا يتشارك فيه جماعة ، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيره وتعبه ، ومثلا آخر للموحّد ، وهو عبد خالص لرجل واحد ؛ فإنه يكون عند سيده أحظى ، وبه أرفق .
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
: إنكار واستبعاد لاستوائهما ، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور ، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما ؛ ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين ، والآخر في أسفل سافلين . وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون
سَلَماً
بفتحتين ، وهو مصدر ، من : سلم له كذا : إذا خلص ، نعت به للمبالغة ، فالقراءتان « 1 » متفقتان معنى . والمراد من المثل : تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده ، وتعب المشرك وتشتيت باله ، وخصوصا مع فرض التعاكس من الشركاء ، فيصير متحيرا ، وفي عنت كبير من الجمع بين أغراضهم ، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل ؛ للتضاد في الأغراض والتناقض ، مع فرض التخالف والتنازع بينهم ، واعتبر ذلك بحال الوالدين ، إذا اختلفا على الولد ، فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال ، وكذلك عابد الأوثان ؛ فإنه معذّب الفكر بها ، وبحراسة حاله منها ، ومتى توهم أنه أرضى واحدا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر ، فهو أبدا في تعب وضلال ، وكذلك هو المصانع للناس ، الممتحن بخدمة الملوك . قاله ابن عطية . والحاصل : أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على عدم استوائهما . [ قال ] « 2 » الطيبي : ثم إذا لزمتهم الحجة قل : الحمد للّه ، شكرا على ما أولاك من النّصرة ، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة . وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية ، وعلو الرتبة ، بتوفيق اللّه تعالى ، وأنه منّة جليلة ، موجبة عليهم أن يداواموا على حمده وعبادته ، أو : حيث ضرب لهم المثل الأعلى ، وللمشركين المثال السوء ، فهذا صنع جميل ، ولطف تام ، مستوجب لحمده وشكره ؛
بَلْ أَكْثَرُهُمْ
أي : المشركون
لا يَعْلَمُونَ
ذلك ، مع كمال ظهوره ، فيقعون في ورطة الشرك والضلال ، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان عدم علمهم ذلك ، مع غاية ظهوره .
هامش
( 1 ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : ( سالما ) بالألف وكسر اللام ، اسم فاعل من سلم ، أي : خالصا من الشركة . وقرأ الباقون : ( سلما ) بفتح السين واللام ، بلا ألف ، مصدر وصف به ، مبالغة في الخلوص من الشركة . انظر الإتحاف ( 2 / 429 ) والبحر المحيط ( 7 / 407 ) . ( 2 ) زيادة ليست في الأصول .