تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
: بدل من « ما » ، أو : خبر ، أي : هو حكمة بالغة ؛ ناهية في الرّشد والصواب ، أو : بالغة من اللّه إليهم . قال القشيري : والحكمة البالغة ؛ الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكّر فيها . ه . قال المحلى : وصفت بالبلاغة ؛ لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه .
فَما تُغْنِ النُّذُرُ
شيئا ، حيث سبق القدر بكفرهم ، و « ما » نافية ، أو استفهامية منصوبة ب « تغن » ، أي : فأىّ إغناء تغنى النّذر مع سابق القدر ؟ والنّذر : جمع نذير ، وهم الرّسل ، أو : المنذر به ، أو : مصدر بمعنى الإنذار ، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد عدم الإغناء ، واستمراره حسب تجدد مجىء الزواجر واستمرارها .
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
لعلمك بأنّ الإنذار لا يغنى فيهم شيئا ، واذكر
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ
« 1 » وهو إسرافيل عليه السّلام
إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ
أي : منكر فظيع ، تنكره النّفوس ، لعدم العهد بمثله ، وهو هول القيامة .
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ
، ف « خشعا » : حال من فاعل « يخرجون » ، أي :
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ
أذلة أبصارهم من شدة الهول ؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما ، ومن قرأ : « خاشعا » « 2 » فوجهه : أنه أسند إلى ظاهر ، فيجب تجريده كالفعل ، وأما من قرأ بالجمع ، فهو على لغة : « أكلوني البراغيث » ،
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
في الكثرة والتموّج والتفرق في الأقطار . قال ابن عطية : في الحديث : أن مريم دعت للجراد ؛ فقالت : اللهم أعشها بغير رضاع ، وتتابع بينها بغير شباع . ه . ثم وصف خروجهم من القبور ، فقال :
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
؛ مسرعين مادي أعناقهم إليه ، أو ناظرين إليه ،
يَقُولُ الْكافِرُونَ
استئناف بيانى ، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال ، وأهله بسوء الحال ، كأنّ قائلا قال : فما ذا يكون حينئذ ؟ فقال :
يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
؛ صعب شديد . وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأنّ المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اقتربت ساعة الفتح لمن جدّ في السير ، ولازم صحبة أهل القرب ، قال القشيري : الساعة ساعتان ؛ كبرى ، وهي عامة ، وصغرى ، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى اللّه ، برفع الأوصاف البشرية ، وقطع العلائق الطبيعية . ثم قال : وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » « 3 » راجعة إلى الساعة الصغرى . ه . أي :
هامش
( 1 ) أثبت المصنف الياء في « الداع إلى » وهي قراءة ورش وأبى عمرو وأبى جعفر ، وصلا ، والبزي ويعقوب في الحالين . وقرأ الباقون بغير ياء وصلا ووقفا . انظر السبعة / 617 والإتحاف 2 / 505 . ( 2 ) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب « خاشعا » بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة ، بالإفراد . وقرأ الباقون « خشعا » بضم الخاء وفتح الشين وتشديدها بلا ألف . انظر الإتحاف ( 2 / 506 ) . ( 3 ) قال العراقي في المغني 4 / 67 : « أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت ، من حديث أنس ، بسند ضعيف » وكذا قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ( ص 267 ) وزاد : « وهو من قول الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى » وأخرجه الديلمي ، الفردوس بمأثور الخطاب ( ح 1117 ) عن أنس بلفظ : « إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته . . . » الحديث . وانظر كشف الخفاء ( ح / 2618 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 523 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان