تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
وفي صحيح مسلم : أنه انشق مرتين « 1 » ، وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر . ه . وقيل : معناه ؛ انشق ، أي : ينشق يوم القيامة ، وهو ضعيف ، ولا يقال : لو انشقّ لما خفى على أهل الأقطار ، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا ؛ لأن الطباع جبلت على نشر العجائب ، لأنه يجوز أن يحجبه اللّه عنهم بغيم أو غيره ، مع أنه كان ليلا ، وجلّ النّاس نائمون ، وأيضا : عادة اللّه - تعالى - في معجزاته أنه لا يراها إلّا من ظهرت لأجله في الغالب . تنبيه : قال القسطلاني في المواهب اللدنية : ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وخرج من كمه ، ليس له أصل ، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير . ه .
وَإِنْ يَرَوْا
أي : أهل مكة
آيَةً
تدل على صدق رسوله صلّى اللّه عليه وسلم
يُعْرِضُوا
عن الإيمان
وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
؛ محكم شديد قوىّ ، من : المرّة ، وهي القوة ، أو : دائم مطّرد . روى : أنه لما انشق ؛ قالوا : هذا سحر ابن أبي كبشة ؟ فسلوا السّفار ، فلما قدموا سألوهم ، فقالوا : إنهم قد رأينه ، فقالوا : قد استمر سحره في البلاد ، فنزلت « 2 » . قال البيضاوي : دل قوله : ( مستمر ) على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة ، ومعجزات سابقة . ه . أو : مستمر ؛ ذاهب ومارّ ، يزول ولا يبقى ، من : مرّ الشيء واستمر : ذهب .
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
الباطلة ، وما زيّن لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره ، حتى قالوا : سحر القمر ، أو : سحر أعيننا ،
وَكُلُّ أَمْرٍ
وعدهم اللّه به
مُسْتَقِرٌّ
؛ كائن في وقته ، أو : كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته ، أو : كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب ، وقرىء « مستقر » بالجر « 3 » ، فيعطف على « الساعة » ، أي : اقتربت الساعة وكلّ أمر مستقر ، يعنى : أشراطها .
وَلَقَدْ جاءَهُمْ
أي : أهل مكة في القرآن ؛
مِنَ الْأَنْباءِ
؛ من أخبار القرون الماضية ، وكيف أهلكوا بالتكذيب
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
أي : ازدجار عن الكفر والعناد ، يقول : زجرته وازدجرته ، أي : منعته ، وأصله : ازتجر ، افتعل ، من الزجر ، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا ؛ لأن التاء حرف مهموس ، والزاي حرف مجهور . فأبدل من التاء حرف مجهور ، وهو الدال ؛ ليناسب الميم .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، باب انشقاق القمر ح 2802 ) عن قتادة . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 27 / 85 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 6 / 176 ) لابن المنذر ، وابن مردويه ، وأبى نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في الدلائل ، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . ( 3 ) قرأ أبو جعفر « مستقر » بخفض الرّاء ، صفة ، ورفع ( كل ) حينئذ بالعطف على « الساعة » ، وقيل : بالابتداء والخبر ، أي : وكلّ أمر مستقر لهم في القدر بالغوه . وقرأ الباقون بالرفع ، خبر « كل » . انظر الإتحاف ( 2 / 505 ) .